وما زالت معاني القرآن الكريم بكرًا تتجدد في كل عصر لأنه القاعدة العريضة للشريعة الإِسلامية الصالحة لكل زمان ومكان. ولما كانت معاني هذا القرآن مكنونة في ألفاظه العربية المعجزة تنوعت مسالك العلماء في استخراج معانيه من هذه الألفاظ، وقامت دراسات حول ألفاظه العربية كي يتسنّى للفقيه، والمفتي، والحاكم، وطالب الفائدة معرفة أحكامه ومعانيه، وقد نتج عن بعض هذه الدراسات ما يسمى بالوجوه والنظائر في القرآن الكريم التي كشفت النقاب عن المعاني المتعددة والمتجددة التي يصلح أن يدل عليها اللفظ الواحد، وكذلك المعنى الواحد الذي يصلح أن تدل عليه ألفاظ متعددة. وهذا يدل على اتساع قاعدة الشريعة الإسلامية كي تصلح لعلاج الحياة البشرية في كل مكان وزمان.
هذا ولما انقطع عقد المسلمين في هذه الأيام بسبب بعدهم عن كتاب ربهم تعذّر عليهم فهم علومه، كما تعذّر عليهم فهم معانيه، وبالتالي كان هذا العلم (الوجوه والنظائر في القرآن الكريم) بعيدًا عن أفكار المسلمين وأذهانهم، لهذا أحببت أن أدلو بدلوي مع الباحثين في هذا المجال كي أقرب هذا العلم إلى أذهان المسلمين حسب المستطاع، فلعل في ذلك سبيل هداية وإنارة للطريق، والله الهادي إلى سواء السبيل.
الوجوه والنظائر لغة:
الوجوه: قال ابن دريد [3] :
"وجه الكلام: السبيل التي تقصدها به، وصرفت الشيء عن وجهه أي عن سننه. وكساء موجّه: له وجهان، ويجمع وجه على أوجه ووجوه وأجوه" [4] .
وفي لسان العرب لابن منظور [5] :
"... وفي الحديث (( أنه ذكر فتنا كوجوه البقر ) ) [6] أي يشبه بعضها بعضًا لأن وجوه البقر تتشابه كثيرًا.. وفي حديث أبي الدرداء [7] : (( لا تفقه حتى ترى للقرآن وجوهًا ) ) [8] أي ترى له معاني يحتملها فتهاب الإقدام عليه.. ورجل ذو وجهين إذا لقي بخلاف ما في قلبه" [9] .
وقال ابن فارس [10] :