الصفحة 21 من 56

وخالقها يصرفها كيف يشاء ولا يستعصى عليه منها شيء أراده، بل هي طوع مشيئته مذللة منقادة لقدرته ومن أنكر هذا فقد جحد رب العالمين وكفر به وأنكر ربوبيته.

[و] أن الموت معاد وبعث أول فإن الله سبحانه وتعالى جعل لابن آدم معادين وبعثين يجزى فيهما الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى

فالبعث الأول مفارقة الروح للبدن ومصيرها إلى دار الجزاء الأول، والبعث الثاني يوم يرد الله الأرواح إلى أجسادها ويبعثها من قبورها إلى الجنة أو النار ! وهو الحشر الثاني ولهذا في الحديث الصحيح: ( وتؤمن بالبعث الآخر) ، فإن البعث الأول لا ينكره أحد وإن أنكر كثير من الناس الجزاء فيه والنعيم والعذاب، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى هاتين القيامتين وهما الصغرى والكبرى في سورة المؤمنين وسورة الواقعة وسورة القيامة وسورة المطففين وسورة الفجر وغيرها من السور، وقد اقتضى عدله وحكمته أن جعلها دارى جزاء المحسن والمسئ ولكن توفية الجزاء إنما يكون يوم المعاد الثاني في دار القرار كما قال تعالى: ( كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة) ، وقد اقتضى عدله وأوجبت أسماؤه الحسنى وكماله المقدس تنعيم أبدان أوليائه وأرواحهم وتعذيب أبدان أعدائه وأرواحهم فلا بد أن يذيق بدن المطيع له وروحه من النعيم واللذة ما يليق به، ويذيق بدن الفاجر العاصي له وروحه من الألم والعقوبة ما يستحقه.

هذا موجب عدله وحكمته وكماله المقدس، ولما كانت هذه الدار دار تكليف وامتحان لا دار جزاء لم يظهر فيها ذلك، وأما البرزخ فأول دار الجزاء فظهر فيها من ذلك ما يليق بتلك الدار وتقتضى الحكمة إظهاره، فإذا كان يوم القيامة الكبرى وفى أهل الطاعة وأهل المعصية ما يستحقونه من نعيم الأبدان والأرواح وعذابهما فعذاب البرزخ ونعيمه أول عذاب الآخرة ونعيمها وهو مشتق منه وواصل إلى أهل البرزخ هناك كما دل عليه القرآن والسنة الصحيحة الصريحة في غير موضع دلالة صريحة كقوله: ( فيفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها) ، وفي الفاجر: ( فيفتح له باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها) . ومعلوم قطعًا أن البدن يأخذ حظه من هذا الباب كما تأخذ الروح حظها ...""

ثم قال - رحمه الله: مسألة:

وهي قول السائل ما الحكمة في كون عذاب القبر لم يذكر في القرآن مع شدة الحاجة إلى معرفته والإيمان به ليحذر ويتقي؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت