وقد استعان كلّ اتجاهٍ من اتجاهاته بجزء من التراث الذي هو تراثات. كما استعان كلّ اتجاه بجزء من حداثة الغرب التي هي حداثات أيضًا. وكان استهواء هذا الاتجاه أو ذاك بجزءٍ من التراث، أو بجزء من الحداثة وما بعد الحداثة، فيما بعد، يعكس وضعًا تاريخيًا يشرطه تأخّر، تضاعفه تبعيّة؛ قد يستورد"ألفاظًا"حديثة كما يستورد"الأشياء"الحديثة، وقد"يحدث"أدوات دولةٍ هي سلطة فحسب؛ ولكنه لم"يحدث"الأمّة ... لم يحدث الواقع والحياة من الداخل ومن الخارج في آن معًا!
فأين مشكلته إذًا؟
يرى بعضهم أن مشكلة المثقّف لم تعد مع الواقع ولا مع الدول والأنظمة، بل هي مع أفكاره بالدرجة الأولى ... وهذا يتطلّب مراجعة العقل لنتاجاته ونقده لأنظمته.. (3)
وعندما تكون مشكلة المثّقف مع عقله ألا يعني أنها مشكلة مع واقع، ومع ما ينتجه هذا الواقع؟ وهل تنتمي أفكاره إلى واقعٍ هو واقع الواقع والدول والأنظمة، بل السلطة ولأن عقل المثقف ليس هو عقل المثقف فحسب، بل عقل"الواقع"الذي يرغب في أن يكون مستقلًا، ويحاول أن يكون مستقلًا، وألا يكون تابعًا في عالم هو عالم الآخر حتى الآن، فقد كان إنتاج الخطاب العربي المعاصر فلسفة وفكرًا ونقدًا تتوزّعه ميولٌ مادية وروحيّة وعقلية وتكاملية وشخصانية ووجودية وروحية تبعًا لتصنيف جميل صليبا للاتجاهات الفلسفية العربية (4) كما برزت فيه ميول ماركسية ووضعية وبراجماتية، وتبرز فيه الآن ميول بنيويّة وما بعد بنيويّة وتفكيكيّة وغيرها. واجتهد أكثر من محاولة في التأصيل الفلسفي والنقدي والإبداعي؛ ربّما كان في مقدمتها تجربة د. عبد الرحمن بدوي في التأصيل الفلسفي التي اتجهت نحو البحث عن وجودية عربية إسلامية تحاور"شطحات الصوفية"و"تاريخ الإلحاد في الإسلام"و"شخصيات قلقة في الإسلام"وتدرس"الزمان الوجوديّ"وتناقش"الإنسانية والوجودية في الفكر العربي"وتتساءل عن إمكانية قيام أخلاق وجودية.