الصفحة 17 من 2673

وتارة يقولون: إنه لم يلاق أئمة الحديث، إنما أخذ من حمّاد رضي الله تعالى عنهما، وهذا أيضًا باطل، فإنه روى عن كثير من الأئمة كالإمام محمد الباقر والأعمش وغيرهما، مع أن حمّادًا كان وعاء للعلم فالأخذ منه أغناه عن الأخذ من غيره. هذا أيضًا آية ورعة وكذا علمه وتقواه، فإنه لم يكثر الأساتذة لئلا تتكثر الحقوق فيخاف عجزه عن إيفائها.

وتارة يقولون: إنه كان من أصحاب القياس والرأي، وكان لا يعمل الحديث،حتى وضع أبو بكر أبي شيبة رحمه الله في كتابه"المصنف"بابًا للرد عليه وترجمه بـ"باب الرد على أبي حنيفة"، وهذا أيضًا من التعصب.

ثم ذكر في الشرح المذكور نبذة فيها مثار العجب، وذلك أن أبا حنيفة رضي الله عنه

قال: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالبرأس والعين، وما جاء عن أصحابه فلا أتركه، ولم يخصّص بالقياس ولا بخبر الواحد عامّ الكتاب، ولم يعمل بالمصالح المرسلة، وقَبِل المراسيل وعمل بها، وقد خالف الشافعيُّ في ذلك، ولم يطعنوا فيه بل قبلوا ذلك منه. رضي الله عنهم أجمعين.

ثم قال: والحق أن الأقوال التي صدرت عنهم في حق الإمام الهمام مقتدى الأنام، كلها صدرت من التعصب، لا تستحق أن يلتفت إليها ولا ينطفي نور الله بأفواههم فاحفظ واثبت. وسبب وقوعهم في هذا الأمر الفظيع أنهم كانوا سئي الفهم، يخدمون ظواهر ألفاظ الحديث، ولا يرومون فهم بواطن المعاني، فضلًا عن المعاني الدقيقة التي تعجز عنها أفهام المتوسطين، وكان هذا التحرير الإمام مؤيدًا بالتأييد الإلهي متعمدًا في بحار المعاني.

وجاء في كتاب"الرفع والتكميل"للإمام المحدث الشيخ عبد الحي اللكنوي في أبي حنيفة: وقال الإمام على بن المديني: أبو حنيفة روى عنه الثوري وابن المبارك وحماد بن زيد وهشام وعباد بن العوام ووكيع وجعفر بن عون، وهو ثقة لا بأس به، وكان شعبة حسن الرأي فيه. وقال يحيى بن معين: أصحابنا يفرطون في أبي حنيفة وأصحابه، فقيل له: كان يكذب؟ قال: لا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت