الصفحة 12 من 56

المطلب الثاني

التعزير من مظاهر مرونة

الشريعة الإسلامية

لقد أرسل الله محمدًا صلى الله عليه وسلم وجعله خاتم الأنبياء، وجعل شريعته خاتمة الشرائع وأكملها، وأوسطها وأعدلها، ومن مظاهر هذا الكمال: قدرة الشريعة على مسايرة التطور الزمني، واحتواؤها على كافة الأحكام التي تلزم الناس في أمور حياتهم ومعاشهم، وبما يحقق لهم السعادة في دنياهم والسلامة في دينهم، دون أن تتنازل هذه الشريعة عن شيء من مبادئها أو أسسها.

وهنا تظهر إشكالية عدم اشتمال النصوص المأثورة على أحكام واضحة لكافة تطورات الحياة وتجددها المتلاحق والسريع، الذي يولد كل يوم من المعاملات والمسائل والأمور مما لم يكن للناس عهد به في أمسهم القريب، والذي يتطلب إجابات على مدى مشروعيته وتوافقه مع الشريعة، وقد استطاعت الشريعة الإسلامية - بما أودع الله بها من جوانب المرونة والسعة - أن تستوعب دومًا هذه التطورات المتلاحقة في كل زمان ومكان، وتقدم لها الحلول الشافية التي تتسق مع مبادئها وأسسها.

ومن جوانب هذه المرونة التي تميزت بها الشريعة الإسلامية يأتي جانب التعزير كأحد الحلول التي يستطيع من خلالها الحكام وأولو الأمر في البلدان الإسلامية إيجاد العقوبات الرادعة لما قد يستجد من مخالفات تستوجب التصدي لها حفاظا على المجتمع المسلم وحقوق أفراده، فمن المعلوم أن الإسلام لم يضع عقوبات محددة إلا لما يعرف بجرائم الحدود (وهي: القتل والزنا والقذف والسرقة والحرابة والردة وشرب الخمر، على خلاف في هذا الأخير) والقصاص والديات، أما ترك الشارع الإسلامي غير ما تقدم من الجرائم دون أن يعين لها العقاب مقدمًا، فإن هذا منه يعدُّ من أهم الأسباب التي تؤدي إلى بقاء هذه الشريعة وتفوقها على مر الأيام ما دام أن الجانب الأكبر من الجرائم والعقوبات قد تركت تفصيلاتها لأولي الأمر في كل زمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت