فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 391

ومنهم من يخرج إلى الحج ولا يخرج من المظالم، ولا ينظر في نفقته، ومنهم من يجاور بمكة وينسى الحُرمة ومنهم من يأمر بالمعروف وينسى نفسه.

ومنهم من يزهد في المال وهو راغب في الرياسة بالزهد. ومنهم من يتخلق بأخلاق الفقراء في صور ثيابهم ومرقعاتهم ويترك أخلاقهم الباطنة، فيشبعُ من الشهوات، وينام الليل ولا يعرف واجبات الشرع، قلت وهؤلاء غرورهم عظيم كما قال بعض العلماء، لأنهم يظنون أنهم يُحبون في الله ورسوله وما قدروا على تحقيق دقائق الإخلاص إلا وهم مخلصون، ولا وقفوا على خبايا النفس إلا وهم مُنزهون، وهم أحب في الدنيا من كل أحد ويظهرون الزهد في الدنيا لشدة حرصهم عليها وقوة رغبتهم فيها.

يحثون على الإخلاص وهم غير مخلصين ويُظهرون الدعاء إلى الله وهم منه فارون ويخوفون بالله وهم منه آمنون. ويُذكرون بالله وهم له ناسون، ويحثون على التمسك بالسنة بالدقيق والجليل وهم لها نابذون ويذمون الصفات المذمومة وهم بها مُتصفون، وكأنه لم يطرق أسماعهم قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44] .

وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2 - 3] . وقوله تعالى حكايةً عما قال شُعيب: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88] . وورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه جاءه رجل فقال: إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر. قال أبلغت ذلك؟ قال: أرجو. قال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل يشير ابن عباس رضي الله عنهما إلى الآيات المتقدمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت