وعلى ضوء ما سبق عرضه آنفًا من تحديد موضوع رسالة"التوابع والزوابع"وأهدافها وأغراض الكاتب من نسجها، وأسلوب بنائها البديعي ومستوياته، وأثر ذلك في تمثل الغرض، وعرض الفكرة، والإفصاح عن الانفعالات النفسية والشخصية، فإنني أقف عند بيان مجمل الأمور التي تتركز فيها الرؤية لأسس ذلك الإبداع النثري الشهيدي، من خلال ما تميزت به الرسالة من سمات فنية أدبية وبلاغية، ظهرت ىفي خصوصيات الصبغ البديعي التي أثارها ابن شهيد في رسالته"التوابع والزوابع"خاصة، وما في تفاصيل ذلك الصبغ من تباين وتعدد في المستويات بين فصولها، وتحديد قيمتها الفنية في الاستخدام والتأليف كما يراها ابن شهيد الناقد من خلال موقفه من البديع في الكلام.
خصوصية الصبغ البديعي في رسالة"التوابع والزوابع": -
البديع في الكلام سمة مميزة تزينه وتكسبه جمالًا ظاهرًا، إضافة إلى ما به من جمال التركيب والتصور، فهو يحمل في طياته جمال المضمون، ويمثل غاية الإبداع، وقمة الأداء البلاغي؛ فالحسن فيه يأتي نابعًا من ذات النص، يدل عليه تناسب المعنى والمبنى، في الإفصاح عن الغرض.
"فليست ألوان البديع تأتي لمناسبة لفظية مرغوبة، ولا لحلية حسية مطلوبة، وإنما تنطوي ألوانه على مقاصد معنوية، وجمال داخلي" [1] .
وفي نسيج التأليف الأندلسي فإن"النثر الأدبي حين سما إلى غزو مجالات الشعر، لم يتخلف عنه في رصد تموجات النفس البشرية والوقوف عند أدق تلوناتها، وقد اتسع لهذه الوظيفة الجديدة، فعبّر عن حبّ الكتاب، وكرههم، وحمل إلينا الكثير من آثار سعادتهم وبؤسهم ... وكان لابد له من أن يستعين، لبلوغ هدف التأثير العميق، بمجموعة من الزخارف والمحسنات أتاحت له ما يعوّض به قوالب الشعر الموسيقية، وطرائقه الشكلية التي مهدت السبيل إليها أجيالٌ متعاقبة من الشعراء، ولذلك لم يكن عجيبًا أن يصطنع الكتّاب لأدبهم أشكالًا موسيقية، وصيغًا تنغيمية،"
(1) البديع في ضوء أساليب القرآن، ص: 4.