ومن أحس من نفسه هذه الصفات، فالواجب عليه الانفراد والعزلة، وطلب الخمول والمدافعة للفتاوى، فقد كان الصحابة يتدافعون الفتاوى، وكل منهم يود لو أن أخاه كفاه. وعند هذا ينبغي أن يتقي شيطان الإنس، فإنهم قد يقولون: هذا سبب لاندراس العلم، فليقل لهم: فليكن فكر العالم في التفطن لخفايا هذه الصفات من قلبه، نسأل الله أن يصلح فساد قلوبنا وأن يوفقنا لما يرضاه عنا.
فصل
قد تقدم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله» . فالتفكر في ذاته سبحانه ممنوع منه، وذلك أن العقول تتحير في ذلك، فإنه أعظم من أن تمثله العقول التفكر، أو تتوهمه القلوب بالتصوير. { كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الشورى: 11] .
فأما التفكر في مخلوقات الله تعالى، فقد ورد القرآن بالحث على ذلك كقوله تعالى: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ } [آل عمران: 190] ، وقوله: { قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ } [يونس: 101] .
ومن آيات الله تعالى الإنسان المخلوق من نطفة، فيتفكر الإنسان في نفسه، فإن في خلقه من العجائب الدالة على عظمة الله تعالى، ما تنقضي الأعمال في الوقوف على عشر عشره وهو غاف عن ذلك. وقد أمره الله تعالى بالتدبر في نفسه، فقال: { وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ } [الذاريات: 21] ، وقد تقدم في كتاب الشكر الكلام على بعض خلق الإنسان فليطلب هناك.