وأما موضع السجود فإنه بانطراحه بين يدي الله سبحانه وتعالى، وضعفه وقله حيلته وينبهه إلى تقصيره في حق ربه جل وعلا، ولذلك أقترن ذكر البكاء بالسجود كما في قوله عز وجل: (( إذا عليكم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكيًا ) ) (42) [1] .
فهم أتقياء شديدو الحساسية بالله، ترتعش وجداناتهم حين تتلى عليهم آياته، فلا تسعفهم الكلمات للتعبير عما يخالج مشاعرهم من التأثر، فتفيض عيونهم بالدموع ويخرون سجدًا وبكيًا، (1) [2] . قرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه سورة مريم فسجد وقال: هذا السجود، فأين البكيّ (2) [3] .
وقوله جل وعلا: (( ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعًا ) ) (43) ، وهو مشهد موح يلمس الوجدان. مشهد الذين أوتوا العلم من قبله، وهم يسمعون القرآن، فيخشعون و (( ويخرون للأذقان سجدًا ) )إنهم لا يتمالكون أنفسهم، فهم لا يسجدون ولكن (( يخرون للأذقان سجدًا ) )ثم تنطق ألسنتهم بما خالج مشاعرهم من إحساس بعظمه الله وصدق وعده: (( سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) )ويغلبهم التأثر فلا تكفي الألفاظ في تصوير ما يجيش في صدورهم منه، فإذا الدموع تنطلق معبره عن ذلك التأثر الغامر الذي تصوره الألفاظ (1) [4] ، فصفه الخشوع الكامل في هذا السجود أن يكون مقترنًا بكمال الذل والبكاء لله سبحانه وتعالى.
الخوف والرجاء في السجود
من لوازم كمال السجود أن يكون العبد متقلبًا بين الخوف والرجاء، إذ أنه سجد امتثالًا للأمر وخالف حال إبليس الذي أبى أن يسجد، ولم يكن ممن امتنع من السجود من الناس، فهو لهذا يرجوا أن يكون في سجوده حصول رضى الله وأن يستجيب له دعاءه، وفي ذات الوقت يستحضر اللعنة التي حلت بإبليس، ويتذكر موقف الكافرين وعدم قدرتهم على السجود في الآخرة ويفكر في كب إبليس وأتباعه من الكافرين بل وبعض العاصيين على
(1) مريم: 58.
(2) في ظلال القرآن 4/ 2314.
(3) تفسير القرآن العظيم 3/ 205.
(4) في ظلال القرآن 4/ 2254.