فأما غلط البصر في المعرفة من أجل خروج شفيف الهواء المتوسط بين البصر والمبصر عن عرض الاعتدال فكالمبصر الذي يدركه البصر من وراء جسم مشف يقطع الهواء المتوسط بين البصر والمبصر، ويكون لون ذلك المبصر رقيقًا، ويكون الجسم الذي يقطع بينه وبين المبصر ذا لون قوي مع الشفيف الذي فيه كالزجاج المشف القوي اللون وكالثياب الرقاق المشفة المتلونة بألوان قوية. فإن البصر يدرك لون المبصر الذي بهذه الصفة من وراء الجسم المشف ممتزجًا بلون الجسم المشف، فيدرك لونه على خلاف ما هو عليه. فإن كان أخضر وكان الجسم المتوسط كحليًا، أدرك البصر لون ذلك المبصر أخضر. وإن كان أبيض، وكان لون الجسم المتوسط كحليًا، ظهر أزرق. وبالجملة فإن المبصر الذي على هذه الصفة يظهر لونه كمثل اللون الممتزج من لونه ولون الجسم المتوسط بينه وبين البصر.وإذا أدرك البصر لون المبصر على خلاف ما هو عليه فهو غالط في مائية لونه، والغلط هو غلط في المعرفة، وعلة هذا الغلط هو خروج شفيف الهواء المتوسط بين البصر وبين المبصر عن عرض الاعتدال. لأن ذلك المبصر إذا أدركه البصر وشفيف الهواء المتوسط بينه وبين البصر متصلًا لا يقطعه شيء من الأجسام المتلونة المشفة التي فيها بعض الكثافة، أدرك لونه على ما هو عليه إذا كانت جميع المعاني الباقية التي في ذلك المبصر التي بها يتم إدراك المبصر على ما هو عليه في عرض الاعتدال.
فأما لم يدرك البصر الجسم المتلون من وراء الثوب المشف ممتزج اللون بلون الثوب المشف، والثوب المشف إنما هو خيوط كثيفة مضموم بعضها إلى بعض، وإنما يظهر ما يظهر من وراء الثوب المشف من أجل أن الثقوب التي فيما بين تلك الخيوط تكون نافذة ومن أجل أن تلك الخيوط دقاق، فقد كان يجب أن يظهر لون الجسم المتلون الذي يدركه البصر من وراء الثوب المشف أجزاء صغارًا متفرقة بحسب تلك الثقوب ويدرك لون الخيوط فيما بين تلك الأجزاء، وإذا أدرك الجسم المتلون والثوب المشف على هذه الصفة أدرك كل واحد من اللونين على ما هو عليه وأدرك اللونين متميزين وغير ممتزجين، وليس يوجد الأمر كذلك.
فنقول في جواب هذا الشك إن الثوب المشف الذي يظهر ما وراءه ليس تكون خيوطه إلا دقاقًا وتكون ثقوبه نافذة، وإذا كانت الخيوط دقاقًا ونظر البصر إلى هذا الثوب فإن الجزء من الخيط الذي يلي ثقبًا من الثقوب تحصل صورته في جزء من البصر في غاية الصغر أيضًا، وهذا الجزء يقترن بالجزء الذي حصلت فيه صورة الجزء من الخيط، فيحصل لون الجزء من الخيط ولون الجسم المتلون الذي نفذ من الثقب في جزء ين من البصر مجموعهما بمنزلة النقطة بالقياس إلى الحس. وإذا كان الجزءان من البصر المتجاوران مجموعهما بمنزلة النقطة لم يتميز الجزءان للحس، فيصير الحاس يدرك اللونين اللذين بهذه الصفة من جزء هو في غاية الصغر وغير منقسم للحس. وإذا كان ذلك كذلك صار الحاس يدرك ذينك اللونين من جزء واحد من البصر غير منقسم. وإذا أدرك الحاس لونين من جزء واحد من البصر غير منقسم فهو يدرك اللونين ممتزجين ، لأن الحاس إنما يدرك اللونين ممتزجين متى أدركهما معًا من جزء واحد من البصر. فلهذه العلة صار البصر يدرك لون الجسم المتلون من وراء الثوب المشف ممتزجًا بلون الثوب المشف. فهذه العلة التي من اجلها يدرك البصر المبصر المختلف الألوان في الهواء المتصل ذا لون واحد إذا كان بعده عن البصر بعدًا متفاوتًا بالقياس إلى كل واحد من الأجزاء المختلفة الألوان. وقد ذكرنا هذا المعنى في الفصل الذي قبل هذا الفصل.