وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: ( اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين، وأغنني من الفقر ) . ثم قال: { هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ الحديد: 4 ] /فذكر أن السموات والأرض ـ وفي موضع آخر ـ { وَمَا بَيْنَهُمَا } مخلوق مسبح له، وأخبر سبحانه أنه يعلم كل شيء .
وأما قوله: { وَهُوَ مَعَكُمْ } فلفظ [ مع ] لا تقتضي في لغة العرب أن يكون أحد الشيئين مختلطا بالآخر كقوله تعالى: { اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ } [ التوبة: 119 ] ، وقوله تعالى: { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ } [ الفتح: 29 ] ، وقوله تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ } [ الأنفال: 75 ] .
ولفظ [ مع ] جاءت في القرآن عامة وخاصة، فـ [ العامة ] في هذه الآية وفي آية المجادلة: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ المجادلة: 7 ] ، فافتتح الكلام بالعلم وختمه بالعلم، ولهذا قال ابن عباس والضحاك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل: هو معهم بعلمه .
وأما [ المعية الخاصة ] ففي قوله تعالى:
{ إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } [ النحل: 128 ] ، وقوله تعالى لموسى: { إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } [ طه: 46 ] ، وقال تعالى: { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا } [ التوبة: 40 ] ، يعني النبي / صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ـ رضي الله عنه ـ فهو مع موسى وهارون دون فرعون، ومع محمد وصاحبه دون أبي جهل وغيره من أعدائه ومع الذين اتقوا والذين هم محسنون دون الظالمين المعتدين .
فلو كان معنى: [ المعية ] أنه بذاته في كل مكان تناقض الخبر الخاص والخبر العام، بل المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك . وقوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ } [ الزخرف: 84 ] أي: هو إله من في السموات وإله من في الأرض، كما قال الله تعالى: { وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [ الروم: 27 ] ، وكذلك قوله تعالى: { وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ } [ الأنعام: 3 ] كما فسره أئمة العلم كالإمام أحمد وغيره: أنه المعبود في السموات والأرض .
وأجمع سلف الأمة وأئمتها على أن الرب تعالى بائن من مخلوقاته، يوصف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، يوصف بصفات الكمال دون صفات النقص، ويعلم أنه ليس كمثله شيء في صفات الكمال، كما قال الله تعالى: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] . قال ابن عباس: [ الصمد ] : العليم الذي كمل في علمه، العظيم الذي كمل في عظمته، القدير الكامل في قدرته، الحكيم الكامل في حكمته، السيد الكامل في سؤدده .
/وقال ابن مسعود وغيره: هو الذي لا جوف له . و [ الأحد ] : الذي لا نظير له، فاسمه [ الصمد ] يتضمن اتصافه بصفات الكمال ونفي النقائص عنه، واسمه [ الأحد ] يتضمن اتصافه أنه لا مثل له، وقد بسطنا الكلام على ذلك في تفسير هذه السورة وفي كونها تعدل ثلث القرآن .
فصل - ( الفرق بين الإرادة والمر والقضاء والإذن والتحريم والبعث) (1)
وقد ذكر الله في كتابه الفرق بين [ الإرادة ] و [ الأمر ] و [ القضاء ] و [ الإذن ] و [ التحريم ] و [ البعث ] و [ الإرسال ] و [ الكلام ] و [ الجعل ] : بين الكوني الذي خلقه وقدره وقضاه؛ وإن كان لم يأمر به ولا يحبه ولا يثيب أصحابه، ولا يجعلهم من أوليائه المتقين، وبين الديني الذي أمر به وشرعه وأثاب عليه وأكرمهم، وجعلهم من أوليائه المتقين/ وحزبه المفلحين وجنده الغالبين؛ وهذا من أعظم الفروق التي يفرق بها بين أولياء الله وأعدائه، فمن استعمله الرب ـ سبحانه وتعالى ـ فيما يحبه ويرضاه ومات على ذلك كان من أوليائه، ومن كان عمله فيما يبغضه الرب ويكرهه ومات على ذلك كان من أعدائه .
(1) - مجموع الفتاوى - (ج 11 / ص 265)