فهرس الكتاب

الصفحة 695 من 1037

أما علاقة الحرية المطلقة بتنمية الإنتاج، وسد حاجات جميع السكان، فإنني لأتساءل ماهي المشاريع التي نما إنتاجها في ظل الاستهتار بالقيم الإنسانية والأخلاقية، والألوان التي لا حد لها من الجشع والطمع؟ إنها -بدون شك- المشاريع التي تكتلت وحطمت غيرها من المشاريع الصغيرة والمتوسطة (دون حاجة إلى تأميم) ، وقضت على كل لون من ألوان التزاحم الشريف، عن طريق الاحتكار. كما أن الزيادة في الإنتاج لم تقترن بانخفاض الأسعار لتسد حاجات جميع السكان، لفقدان المزاحمة، بل على العكس، فقد خفضت القوة الشرائية للقوة العاملة إلى أدنى المستويات، لدرجة اضطرت القسم الأكبر من العمال إلى العمل في عدة مجالات لتغطية نفقات عائلاتهم، وحرمتهم من المتعة والراحة العائلية حتى أيام العطل والأعياد.

والأدهى من ذلك، اعتبار الحرية المطلقة تعبيرًا عن الكرامة الإنسانية...!

وهنا أيضًا لابد من التساؤل عمن طالتهم هذه الحرية، وهذه الكرامة الإنسانية؟ لقد انحصر حق الحرية والديمقراطية المزعومة قطعًا، في حرية قبضة من الأمريكان الصهاينة، وأتباعهم وأذنابهم في كل مكان: من مجرمين، وقطاع طرق،ومضاربين، وتجار جنس، وخاطفين للأطفال، والشبان، من فتيان وفتيات، وتجار الدم الفاسد الملوث بجراثيم الإيدز، ومهربي المخدرات، والمتجولين في الملوثات المبيدة للجنس البشري، ومفجري الحروب، وبائعي الأسلحة، وزارعي المتفجرات...!.

فهؤلاء هم الذين يملكون في الوقت الحاضر، القسم الأكبر من الثروة، ويتحكمون بحياة الشعوب ومصيرهم، وهم أصحاب الكرامات، وأصحاب الحق في الحياة وهم دعاة حقوق الإنسان، والذين يصلبون الإنسان في كل مكان....

ومن أبرز تناقضات هذا النظام بأنه يرتكز -بالدرجة الأولى- على زيادة الاستهلاك لتسريع جملة الإنتاج -وإذا به يقضي على مستهلكيه بالذات، ويراكم الإنتاج ليفسد في مخازنه ومستودعاته، وكأن زيادة الإنتاج هي للإنتاج بالذات فإلى متى سيعيش هذا النظام؟!….

مما لاشك فيه أن المبالغة في التطرف التي وصل إليها هذا النظام، سوف تقضي على النظام ذاته بذاته، فبذور انحلاله أخذت تترعرع فيه، وهاهي الأنظمة المتفرعة عنه تتساقط تباعًا، فلجوء المرابين إلى المضاربات بالأسهم والعملات بدلًا عن الإنتاج لكسادة وللحصول علىأرباح ولو بالقيود أدى إلى الانفجار الرهيب لفقاعاتها منذ عام 1997، ابتداءً من النمور الآسيوية، إلى الأعجوبة اليابانية إلى كبريات الدول الاشتراكية منذ أن بزغ فيها أول شعاع من الحرية، فدول أمريكا اللاتينية والبترولية، والبقية تأتي...

كما أن عام 1999 يحمل في طياته الأخطار المرتقبة والانهيارات المتوقعة لبداية القرن المقبل في كل من أمريكا وأوروبا بالذات، والذي تحاول الكتلتان الحاليتان معالجته، في الوقت الحاضر -عن طريق الحروب الطاحنة بكافة أنواع الأسلحة، للهدم، وإعادة إنتاج الأسلحة وإعادة البناء... إنها -في الواقع- بذور الانحلال التي سوف تقضي على هذا النظام، ولم تعد تنتظر الإمهال...

فما هو البديل إذًا...؟

مما لاشك فيه أنه لا يوجد ثمة بديل واحد ناجع للعالم أجمع، وإلا فإننا سنقع، بأخطاء النظامين السابقين نفسها. بل هناك لكل شعب بديل ولكل حضارة بديل... وإذا كنت أرى أن الإسلام الذي أثبت خلال قرون عديدة أنه خير نظام أخرج للناس، وخير من خلص الشعوب التي خضعت لامبراطوريته الممتدة شرقًاوغربًا وشمالًا وجنوبًا من الظلم والفقر والحرمان، ودفعها إلى استثمار خيرات بلادها بذاتها ولذاتها، وحسب طاقاتها وعلومها وثقافاتها وحضاراتها دون أن يزيلها، بل زاد عليها، وزود النفوس من الداخل بوقود من المميزات الحسنة التي اختارها الله لبني الإنسان، وشذبها من الشرور العالقة فيها، والتي تأتمر فيها نفس الإنسان، وحثها على أن تسعى جاهدة لاكتشاف المزيد من خيرات الله فتأكل من رزقه وتقاسم المحرومين والعاجزين عن العمل في حقهم بثروات الله.. إذا كنت أرى ذلك، فإنني لأتساءل هل ترك النظامان الجائران أي مجال أو خيار للحاكمين والمحكومين لتطبيق تعاليم الإسلام في بلاد الإسلام بالذات....؟

فما هو الإسلام؟

الإسلام ثورة تختلف اختلافًا جذريًا عن النظامين السابقين.

يعتقد المفكرون الغربيون، ومن يجري في إثرهم من المستغربين العرب والمسلمين، أن الإسلام هو عبارة عن دين وليس باقتصاد، عقيدة، وليس بنهج للحياة، علاقة بين العبد وربه، وليس أساسًا لثورة اجتماعية اقتصادية لخير الإنسانية جمعاء.

لقد غاب عن خلدهم أن الإسلام، هو ثورة حقيقية لا تنفصل فيها الحياة عن الإيمان، وأن المفهوم الروحي يشكل جزءًا لا يتجزأ من المفهوم الاقتصادي والاجتماعي"لأن الله غني عن العالمين"... و"وما أرسلناك إلا رحمةً بالعالمين"...

ففي الوقت الذي يحرر فيه الإنسان من كل شكل من أشكال العبودية لغير الله، يحرر فيه الثروات الطبيعية من كل نوع من أنواع الملكيات ما عدا الله. وهنا يربط الإمام علي كرم الله وجهه بين هذين المفهومين بقوله:"إن العبيد هم عبيدالله، وإن الثروات هي ثروات الله".

من هنا، فقد ناضل النبي (ص) في الإسلام، كما ناضل كافة الأنبياء في بقية الأديان نضالًا ثوريًا ضد كل شكل من أشكال الظلم والعبودية والاستغلال. وكما ثاروا لتحرير الإنسان من الداخل من العبودية لغير الله، فقد جاهدوا لتحرير الأرض وثرواتها من المستغلين من الخارج والداخل، ولقب التحرير الأول"الجهاد الأكبر"، والثاني:"الجهاد الأصغر"..

وفي الوقت الذي حرر فيه الإنسان من الاستغلال الخارجي، حرره من داخله من ينابيع الاستغلال للغير الكامنة فيه، وذلك بتغيير مفهوم العالم والحياة بالنسبة إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت