أما من خلال التطبيق العملي، فإن القائمين على إدارة المشاريع المؤممة لم يدفعوا للعالم إلا أجرًا -كأصحاب المشاريع الرأسمالية- لايكاد يكفيه ليتابع عمله، وكدسوا لأنفسهم الأموال على حساب العامل، والمشاريع الإنتاجية نفسها، التي أفلس معظمها، مما أدى إلى استفحال مديونية الدول الاشتراكية، وتوقفها عن تسديد ديونها، وفقدان الحاجات الضرورية، حتى الغذائية الأساسية. وكلنا يذكر طوابير البشر التي كانت تتدافع، أمام مراكز التوزيع، أيامًا وأسابيع، للحصول على قطعة لحم مجمدة، أو حتى ربطة خبز جافة، آخر أيام العهد، والتي كانت السبب الرئيسي في سقوط النظام. ومن الطبيعي أن هؤلاء المستغلين - هم أنفسم - الذين استلموا مقادير الحكم في النظام الجديد، ليعودوا بالشعوب، ليس فقط إلى أيام القياصرة، فهم بعيدون جدًا عنها حتى أيام النظام الاشتراكي في عهده المرموق، بل إلىعصور الهمجية والغوغائية في أظلم العهود...!
أما الإسلام، فقد منح العامل، نظريًا وعمليًا، خلال قرون عديدة من تطبيقه لشريعته، كل الثروة التي أنتجها العامل، إذا كانت المادة الأساسية التي مارسها العامل في عملية الإنتاج ثروة طبيعية لا يملكها فرد آخر، أي إذا كان هونفسه قداستخرجها من الطبيعة، ومهما كانت هذه الثروة، سواءً كانت ذهبًا أو حجرًا، أما إذا كانت ملكًا لفرد آخر، فلا مجال لمنحها للإنسان العامل على أساس الإنتاج الجديد الذي أدخله عليها، لأنها تحمل عمل المالك الذي له الحق الثابت بالملك، ويقتصر هنا حق العامل على الأجر فقط، وهذا مايطلق عليه اسم ظاهرة الثبات في الملكية (*) .
إلا أن هذه الأحكام، أصبحت في الوقت الحاضر، -على مايبدو- مستحيلة التطبيق، حتى في البلدان التي تتبنى الإسلام في الذات، وأضحت العدالة الاجتماعية حبرًا على ورق في اجتهادات الفقهاء في الإسلام، فلا الراعي ولا الرعية بقادرين على تنفيذ أحكامها لفقدان المعطيات في بلاد الإسلام بالذات.
ـ فلا الأرض ومافيها من الثروات الطبيعية بقيت ملكًا للإله -حسب زعمهم- ولا للشعوب ولا الحكام.. إنها فيما فوقها، وماتحتها وما في جوفها وسمائها ومائها بأيدي الشركات الأجنبية العالمية... تتصرف فيها كما تشاء.
ـ وأصبح العمل،ووسائل العمل بأيدي هذه الشركات...
ـ وانحصر المحصول ومردود المحصول في ملكها أيضًا، تحوله أين تشاء وتحرم شعوبه منه.
وهذا يتعارض -في الواقع- مع أحكام الإسلام الذي منع ملكية رقبة الأرض، حتى للعاملين فيها من أبناء الشعب (فهي ملك لله) ، وحصر منفعتها فقط بهم، على ألا يتوقفوا عن استثمارها، وإلا أخذت منهم، وسلمت لغيرهم،كما رأينا، ولكن، على أن يوزعوا حقوق المحتاجين.
ـ وكذلك، امتدت سيطرة الشركات المذكورة ــ عن طريق التخصيص ـ إلى كل مرفق من المرافق العامة، التي كانت في عهدة الحكام، وفقدت الحكومات كل سيطرة عليها، مما أدى إلى شلل مهمة الراعي في تأمين العدالة الاجتماعية، وتأمين الخدمات العامة للشعوب، واقتصردورهم على سن القوانين التي تفتح للشركات الأجنبية المذكورة، الأبواب على مصراعيها، لسرقة خيرات البلاد، وتكديس الأموال، وتحويلها دون رقابة ولا حساب، إلى أي مكان تشاء. (*)
ولم يبق -في الواقع- للشعوب التي حضها الإسلام على العمل واستثمار خيرات الأرض، أية فرصة للعمل، سوى التمثيل، والرقص، والغناء، واحتلال الأرصفة (من رجال ونساء وأطفال) لإمتاع السياح. فليس لهم الحق في اقتطاع حجر، أو احتطاب خشب، أو زراعة أرض، أو غرس شجر، أو صيد سمك، أوحتى عصفور، كما لم يبق لها الحق في فتح دكان كقصاب أو سمان...!. ولم يبق في ساحة العمل إلا الشركات الأجنبية، ومجمعاتها، وعملاؤها في الداخل، وكأن الله تعالى، قد استخلف فقط الإنسان الأمريكي الصهيوني. على ثروات الأرض بكاملها، ومنحهم إياها بوثيقة مضمونة -كما يعتقدون-. وإنني لأتساءل هل خصهم الإله من المميزات العقلية والجسدية، بما يفوق منها مالدى الشعوب التعيسة الأخرى؟!...
وهل اكتشف، أن خليفة الله هذا، قد حباه الله بأربع عيون، ورأسان وثمانية أطراف؟....
أم أن الله قد خلق البشر كلهم سواسية"كأسنان المشط"، لا فرق بينهم إلا بالتقوى؟!..
وهاهي حضاراتهم التليدة تشهد على عبقرياتهم ومهاراتهم بشكل لا مجال فيه للمقارنة بينها وبين حضارة الصهاينة الأمريكان...!.
والحضارة الإسلامية، في هذا المضمار -والتي نقل القسم الأعظم منها ومن علومها وفنونها إلى متاحفهم، عدا ما حرق وأبيد منها بدافع الحقد والإعاقة، بالطبع، خوفًا منها -شاهدة على ذلك-...
وهي لم تهدم حضارة البلدان التي فتحتها، بل -على العكس-.. فقد رممتها وجددتها، وأضافت عليها من مميزاتها وإبداعها، وذلك بشهادة أقسى أعدائها، كما أنها لم تسلب حق الشعوب في استثمار خيرات بلادها، بل -على العكس- وزعت الحق في إنتاج هذه الثروات وخيراتها، على كل فرد، فردًا فردًا، فمن اليمن السعيد إلى الأندلس العتيد إلى ربوع الصين والهند وكازخستان وإيران... برزت حضارات يعجز اللسان عن وصفها، مصحوبة -قبل كل شيء- بسعادة الإنسان كل إنسان...!
حتى اعترف لها بذلك المؤرخ الإنكليزي الكبير بقوله:
"ما عرف التاريخ فاتحًا أرحم من العرب"....
ولكنني للأسف الشديد، لست على يقين، بوجود من يملك من المسلمين في هذه الأيام، الجدارة، والحرية، والاستقلال بثروات البلاد، لاستلام مقاليد الإسلام.