فهرس الكتاب

الصفحة 686 من 1037

ولتحقيق هذا الهدف، قام الإسلام بضغط مستوى المعيشة من أعلى بتحريم الإسراف، ومن أسفل، بالارتفاع بالأفراد الذين يعيشون مستوى منخفضًا من المعيشة إلى مستوى أعلى عن طريق الزكاة.

وقد جاء في الحديث لتحديد مسؤولية الوالي حتى الإغناء:

"إن الوالي يأخذ مال الزكاة فيوجهه حسب الوجه الذي وجهه الله له على ثمانية أسهم للفقراء والمساكين. يقسمه بينهم بقدر ما يستغنون في سنتهم بلا ضيق ولا تقية. فإن فضل من ذلك شيء، رد إلى الوالي، وإن نقص من ذلك شيء، ولم يكتفوا به، كان على الوالي أن يمونهم من عنده بقدر- سعتهم حتى يستغنوا".

وهذا النص يحدد بوضوح: إن الهدف النهائي الذي يحاول الإسلام تحقيقه ويلقي مسؤوليته على ولي الأمر: هو إغناء كل فرد في المجتمع الإسلامي.

فتعميم الغنى هو الهدف الذي تضعه الشريعة أمام ولي الأمر.

ففرضت بإعطاء الزكاة للفقير حتى يصبح غنيًا، ومنعت إعطاءه بعد ذلك. أي جعلت الغنى فاصلًا بين جواز الزكاة ومنعها"تعطيه من الزكاة حتى تغنيه"عن الإمام الجعفر.

وعلى هذا الأساس، يمكننا تحديد مفهوم الغنى والفقر عند الإسلام بشكل عام: فالفقير هو الذي لم يظفر بمستوى من المعيشة يمكنه من إشباع حاجاته الضرورية والكمالية بالقدر الذي تسمح به حدود الثروة في البلاد. أو بتعبير آخر: من يعيش في مستوى تفصله هوة عميقة عن المستوى المعيشي للأثرياء في المجتمع الإسلامي (كم نحن بعيدون في هذا التعريف للفقر، عن مستواه في الوقت الحاضر، بالملايين الذين يموتون جوعًا كل عام!) .

أما الغني فهو من لا تفصله في مستواه المعيشي هذه الهوة، ولا يعسر عليه إشباع حاجاته الضرورية والكمالية بالقدر الذي يتناسب مع ثروة البلاد ودرجة رفاهيتها المادية، سواءً كان يملك ثروة كبيرة أم لا.

فالنصوص تأمر الوالي إذًا بإعطاء الزكاة وما إليها، إلى أن يلحق الفرد بالناس، أو إلى أن يصبح غنيًا، أو لإشباع حاجاته الأولية والثانوية من طعام وشراب وكسوة وزواج.. الخ ما يتمتع فيه المسلمون في مجتمعه.

ومن واجبات الوالي تطبيق مجموعة التشريعات الإسلامية التي حضت على حماية التوازن، كإلغاء الفائدة، ومحاربة اكتناز الأموال وتبديدها وتوجيه الموارد بشكل يكفل الموارد الضرورية للمجتمع، والامتناع عن إنتاج المواد الضارة والمحرمة وذات التكاليف الباهظة المبددة للثروة والمشكلة عبئًا على الاقتصاد العام، أو السيطرة على مساحات واسعة من الأرض، والتوقف عن إحيائها.. الخ، كما ذكرنا سابقًا.

ملء منطقة الفراغ من التشريع

إلا أن مسؤولية الدولة لا تقتصر على مجرد تطبيق الأحكام الثابتة في الشريعة، بل تمتد إلى ملء منطقة الفراغ من التشريع، لكي تملأها في ضوء الظروف المتطورة بالشكل الذي يضمن الأهداف العامة للاقتصاد الإسلامي.

فالإسلام، لا يقدم مبادئه التشريعية للحياة الاقتصادية بوصفها علاجًا موقوتًا (نرفع الفائدة ونخفض الفائدة بين يوم وليلة، ونرفع العملة ونهبط العملة بين لحظة والثانية، كالنظام الرأسمالي على سبيل المثال) وتنظيما مرحليًا يجتازه التاريخ بعد فترة من الزمن إلى شكل آخر من أشكال التنظيم، وإنما يقدمها باعتبارها الصورة النظرية الصالحة لجميع العصور. ولا بد لإعطاء الصورة هذا العموم والاستيعاب، أن ينعكس تطور العصور فيها ضمن عنصر متحرك، يمد الصورة بالقدر من التكيف وفقًا لظروف مختلفة.

فمن الواضح فقهيًا -على سبيل المثال- أن يباح للبائع البيع بأي سعر أحب، ولا تمنع الشريعة بيع المالك للسلعة بسعر مجحف. إلا أن الرسول (ص) عندما علم أن بعض التجار يمارسون تضييقًا فاحشًا على الناس، وشحًا قبيحًا، واحتكارًا للمنافع، وتحكمًا في البياعات، منع الرسول الاحتكار، كما أمر الإمام علي واليه الأشتر بتحديد السعر، ومنع التجار من البيع بثمن أكبر، وفرض أن يكون البيع بيعًا سمحًا بموازين عدل، وأسعار لا تجحف بالفريقين: البائع والمشتري.

وقد صدر عنهما ذلك بصفة"ولي أمر"استعمالًا لصلاحياتهما في ملء منطقة الفراغ، وفقًا لمقتضيات العدالة الاجتماعية.

وكمثال آخر على ذلك:

فالمبدأ التشريعي القائل:"إن من عمل في الأرض، وأنفق عليها جهدًا حتى أحياها، فهو أحق بها من غيره"يعتبر في نظر الإسلام عادلًا، لأن من الظلم أن يساوي بين العامل الذي أنفق على الأرض جهده، وغيره ممن لم يعمل فيها شيئًا ولكن هذا المبدأ بسيطرة قدرة الإنسان على الطبيعة ونموها، أصبح من الممكن استغلاله. ففي عصر كان يقوم إحياء الأرض فيه على الأساليب القديمة، لم يكن يتاح للفرد أن يباشر عمليات الإحياء إلا في مساحات صغيرة. وأما بعد أن توفرت لدى الإنسان وسائل السيطرة على الطبيعة، أصبح بإمكان أفراد قلائل ممن تؤاتيهم الفرصة، أن يحيوا مساحات هائلة من الأرض، باستخدام الآلات الضخمة، الأمر الذي يزعزع العدالة الاجتماعية ومصالح الجماعة. فكان لا بد للصورة التشريعية من منطقة فراغ يمكن ملؤها حسب الظروف. فيسمح بالإحياء حسب الوسائل القديمة، ويمنع في الحالة الثانية إلا في حدود تتناسب مع أهداف الاقتصاد الإسلامي وتصوراته عن العدالة*.

والدليل التشريعي على إعطاء ولي الأمر صلاحيات كهذه لملء الفراغ: هو النص القرآني: ]يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر منكم[. (النساء -29)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت