فهاهي الأرض ترتج في كل مكان من زلازل وبراكين ، ورياح وفيضانات ، وهاهو الكسوف والخسوف ، بالليل والنهار وما ذاك إلا بما كسبت أيدي الناس من الذنوب والعصيان ، قال تعالى: (( وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا(59) )) [ الإسراء ] . فالله عزوجل يرسل تلك الآيات تخويفًا لعباده ليعودوا إلى رشدهم ويرجعوا إلى دينهم ، ولكن حال الكثير اليوم سبات ونوم عميق في ملذات الذنوب والمعاصي .
فالمذنب والعاصي لا ينبغي أن ينظر إلى عظم الذنب والمعصية فقط ولكن ينظر إلى عظمة من عصى . فقد عصى من بيده ملكوت كل شئ .
والذنوب والمعاصي تعمل في القلب حتى يكون ضيقًا حرجًا ، وتطبق عليه حتى يصبح عليه ظلمة سوداء ، قال تعالى: (( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون(14) )) [ المطففين ] .
6-الفراغ:
وهو النعمة التي غفل عنها الكثير من الناس اليوم ، فحال الكثير منهم تضييع وتفريط للوقت ، بل قتل للوقت في غير طاعة ، فتمضي الساعات الطوال من حياة أولئك الناس في القيل والقال ، والبذيء من الفعل والكلام ، فضاقت الصدور وعميت الأبصار والبصيرة عن سر الوجود على هذه البسيطة .
قال صلى الله عليه وسلم: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ، الصحة والفراغ ) ) [ البخاري ] .
وحال الكثير أنهم مشغولون بلا شغل ، أشغلوا أوقاتهم بما يعود عليهم بالندم والحسرة في الدنيا والآخرة ، غفلوا وتناسوا أنهم سيسألون عن هذا الوقت الذي أضاعوه في غير طاعة ، سيسأل الإنسان عن عمره فيما أبلاه ، وعن شبابه فيما أفناه ، أصبح حال الكثير نوم بالنهار وسهر بالليل ، عكوف على الماجن من الغناء ومشاهدة للمحرم من التمثيليات والمسلسلات ، ونظر إلى المخزي من المجلات ، فضاقت الصدور وكثرت الويلات والآهات ، على الضائع من الأوقات ، فالإنسان لايدري ما يعرض له في يومه وليلته من مصائب الدنيا ونوائب الدهر ، فلا يعقب الصحة إلا المرض والسقم ، ولا يعقب الفراغ إلا الشغل ، فينبغي للعاقل أن يشغل وقته بما يعود عليه بالنفع في دنياه وأخراه ، فالواجب على العاقل أن يدرك أن هذه الدنيا مزرعة فليتزود بالتقوى ويستغل نعمة الله في طاعة الله ، ويتقرب إلى خالقه ورازقه بفعل الخيرات والطاعات والقربات . فينبغي للمسلم أن يغتنم وقته في طاعة المولى جل وعلا قبل أن يأتيه ما يشغله فلا يستطيع إلى ذلك سبيلا ، فإذا حيل بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرة والندامة ويتمنى الرجوع من أجل العمل الصالح فلا تنفعه الأمنية .
أما الحال في هذا الزمان فضياع للوقت وقتل للفراغ وما ذاك إلا بسبب التقدم الحضاري الزائف ، الذي انجرف معه أكثر الكثير من شباب المسلمين ، فتجدهم جماعات وفرادى حول ما يسمى بمقاهي أو نوادي ( الإنترنت ) يشغلون الوقت ويضيعونه في معصية الخالق سبحانه ، شغلوا الأوقات وعمروها بالذنوب والعصيان ، والتلذذ بمشاهدة الحرام ، ومهاتفة العاهرات والفاسقات والفاجرات ، فما عساها تكون النتيجة ؟
جهد للعقل والبدن ، مرض في العقول والقلوب ، وضيق في الصدور ، لبعدهم عن قاضي الأمور وشافي الصدور ، فلا إله إلا الله الرحيم الغفور
7-الوقوع في الحرام:
الحرام كل ما يبعد عن الله ويقرب إلى الشيطان ، فمن تعلقت نفسه بالحرام هانت عليه نفسه حيث سيعرضها لعذاب الله تبارك وتعالى ، وضاق عليه صدره لارتكابه النواهي والزواجر ، فمن أتبع نفسه هواها كان عرضة لغضب الله ومقته ، كان سلعة على الألسن لأن الله يبغض ذلك النوع من الناس ، فحري به أن يُمقت ويُبغض ولايأمنه أحد ، لايألفه إلا منه مثله في الجرأة على الحرام .
فمن وقع في الحرام فقد عرض نفسه لغضب الله عزوجل ، لقد تجرأ الكثير من الناس على الحرام فتجد الغيبة والنميمة والحسد والإفساد بين الناس وكل ما يتعلق باللسان مما حرمه الله ورسوله كل ذلك قد انتشر بين ضعفاء النفوس ، فضاقت عليهم أنفسهم وضاقت صدورهم ، وللحرام صور كثيرة فهاهو الربا والزنا واللواط والتعامل المحرم بين الناس ينتشر ويستشري في المجتمعات ، وما ذاك والله إلا لبعد أولئك الناس عن منهج الله تعالى وصراطه المستقيم فزلت أقدامهم في خضم مغريات الحياة فوقعوا أسراء للشيطان وأعوانه ، فضاقت صدور أولئك الناس فهم قابعون تحت وطأة أعداء الملة والدين من شياطين الإنس والجن ، ومن صور الحرام في هذا الزمان إدخال تلك الأطباق ( الدشوش ) إلى المنازل فحال من أدخلوها سماع ونظر للحرام ثم تطبيق له في القريب والبعيد ـ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ـ ، نسي أولئك الناس أن ورائهم (( نارًا تلظى(14) )) [الليل] . ما تذكروا قول الله جل وعلا: (( ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون(6) )) [ التحريم ] . قوا أنفسكم ومن تعولون عذاب شديد العقاب ، واحذروا مقت الله وغضبه (( ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى(81) )) [ طه ] .
وأما من أدخل إلى بيته وعلى أهله مثل هذه المنكرات فليبشر بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) ) [ متفق عليه ] ، وهل بعد هذه البشارة من بشارة لمن اتبعوا الحرام ومالوا عن جادة الصواب ، فمن حرم الله عليه الجنة فمأواه النار وبئس المصير ـ نعوذ بالله من ذلك ـ فالنتيجة ضيق في الصدور وهموم وغموم .