وهو أهم أنواع الحوار وأعظمها، حيث عمد أنبياء الله وورثتُهم من العلماء والدعاة إلى حوار الكافرين بغية تعريفهم بدين الله وإنقاذهم به، فالحوار الدعوي أحد أعظم وسائل الدعوة إلى الإسلام، حيث يعمد المحاور المؤمن إلى تبيان مبادئ الإسلام وفضائله ويوضح لمحاوريه ما أعده الله للمؤمنين به من عظيم الأجر وحسن المثوبة، وما توعد به الكافرين من أليم عذابه وعقابه.
ولما كان لا يتصور رجوع الناس عن معتقداتهم وإلفهم لمجرد عظة سمعوها، إذ تثور في الأذهان تساؤلات تبحث عمن يجيب عنها، ويجلي الحق فيها، كان لا بد من الحوار.
لذا تتركز موضوعات حوار الدعوة حول التعريف بالله تبارك وتعالى وصفاته، وبالإيمان ونواقضه، وباليوم الآخر وسبيل النجاة والخلاص فيه.
ويمتاز حوار الدعوة عن غيره من أنواع الحوار بخصائص وسمات، منها:
-الهدف من حوار الدعوة، الدعوة إلى الإسلام والسعي إلى إقناع الآخرين بأن الإسلام هو دين الله الذي لا يقبل الله من العباد غيره.
-التركيز في مجادلة أهل الكتاب على القضايا العقدية الفاصلة، ومحاجتهم، ومناظرتهم، لدحض شبهاتهم، ونقض حججهم، بأسلوب علمي رفيق، ثم مباهلتهم إن لزم الأمر.
-أخذ المسلمين بزمام المبادرة في هذا اللون من الحوار، إذ هو استجابة لطبيعة دينهم، ويتحقق ذلك باستضافتهم في دار المسلمين، واستقبال وفودهم، والكتابة إليهم، وغشيانهم في محافلهم وبيوتهم لدعوتهم، إذ الدعوة والبلاغ واجب المسلم بمقتضى إسلامه.
-تغلب الصفة والعلاقات الشخصية على هذا اللون من ألوان الحوار الذي يبتعد عن الصفة الرسمية التي تغلب على حوار التعامل والتعايش كما سيتبين في حينه.
والمتتبع لما ورد ذكره في القرآن عن أحوال الأنبياء يظهر له أهمية هذا اللون من ألوان الحوار ، الذي لم تُغفِله دعوة نبي منهم أو مصلح ممن تبعهم بإحسان.
فها هو نوح عليه السلام يجادل ويحاور قومه قرونًا طويلة، من غير كلل ولا ملل، دعاهم ليلًا ونهارًا، أسر لهم، وأعلن لهم جهارًا، فقالوا: ]يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين[ (هود: 32) .
وعلى هذا الهدي سار أنبياء الله من بعد نوح، فقصَّ الله علينا في القرآن حوار إبراهيم مع النمرود، وحوار موسى مع فرعون، بل وذكر لنا الكثير من حوار الأنبياء مع أقوامهم.
قال ابن تيمية:"فأما المجادلة الشرعية كالتي ذكرها الله تعالى عن الأنبياء عليهم السلام وأمر بها في مثل قوله تعالى: )قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ((هود: 32) وقوله: )وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ((الأنعام: 83) وقوله: )ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ((البقرة: 258) وقوله: )وجادلهم بالتي هي أحسن ((النحل: 125) وأمثال ذلك فقد يكون واجبًا أو مستحبًا، وما كان كذلك لم يكن مذمومًا في الشرع". [403]
وأرسل الله محمدًا خاتم الرسل داعيًا إلى الله ومبشرًا بدينه، آمرًا إياه بدعوة العالمين إلى هذا الدين: ]ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن[ (النحل: 125) .
وقد اعتبر العلماء المجادلة والمناظرة والحوار من واجبات الإسلام التي أوجبها الله على أهل العلم والبصيرة، واستدلوا بما سبق ذكره من نصوص قرآنية تحدثت عن أمر الله لأنبيائه بالحوار أو فعلهم عليهم الصلاة والسلام.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في سياق حديثه عن قول الله تعالى: ] ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن [ (النحل: 125) :"والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين، فهذا واجب على الكفاية منهم. وأما ما وجب على أعيانهم، فهذا يتنوع بتنوع قدرهم وحاجتهم ومعرفتهم".[404]
وفي هذا الصدد يستدل ابن حزم على وجوب الجدال والمناظرة بقول النبي r: (( جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ) ). [405] ويقول:"وهذا حديث في غاية الصحة، وفيه الأمر بالمناظرة وإيجابها كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله". [406]
وبالنظر إلى آثار الحوار ونجاعة طريقته في نشر الحق يجزم ابن حزم بفضل هذا الأسلوب من أساليب الدعوة، ويراه أنجع من غيره من وسائل حماية الدعوة كالجهاد في سبيل الله، إذ"قد تُهزم العساكر الكبار، والحجة الصحيحة لا تُغلب أبدًا، فهي أدعى إلى الحق، وأنصر للدين من السلاح الشاكي والأعداد الجمّة .. لأن السيف مرة لنا، ومرة علينا، وليس كذلك البرهان، بل هو لنا أبدًا، ودامغ لقول مخالفينا، ومزهق له أبدًا."
ورُبَّ قوة باليد قد دمغت بالباطل حقًا كثيرًا، فأزهقته … وقد قتل أنبياء كثير وما غُلبت حجتهم قط"."
وفي المقابل، فإن"أفاضل الصحابة الذين لا نظير لهم؛ إنما أسلموا بقيام البراهين على صحة نبوة محمد r عندهم، فكانوا أفضل ممن أسلم بالغلبة بلا خلاف من أحد المسلمين". [407]
ويثني ابن حزم بدليل آخر، فيقول:"أول ما أمر الله عز وجل نبيه محمدًا r أن يدعو له الناس بالحجة البالغة بلا قتال، فلما قامت الحجة وعاندوا الحق أطلق الله تعالى عليهم السيف حينئذ، وقال تعالى: )قل فلله الحجة البالغة ((الأنعام: 149) . وقال تعالى: )بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ((الأنبياء: 18) ". [408]
يقول ابن تيمية:"فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين". [409]