فهرس الكتاب

الصفحة 515 من 1037

أهكذا يفسر القرآن؟، وهل من الأدب الشرعي وهو يخاطب عرب السودان في جامعة الخرطوم أن ينطق بهذه الكلمة الإنكليزية التي تعني بالعربية: نقطة انتهى.

انتهى!! لا تحاولوا ربط الآية بمثيلاتها، ولا تتطرقوا لأسباب النزول وأقوال علماء التفسير، والأحاديث النبوية الصحيحة الواردة في هذا المعنى.

انتهى!! هذه هي تعليمات الشيخ، وهكذا يتلقى المريد، وعلى هذا الأساس تقوم دولة ويسمونها إسلامية!!.

الدستور السوداني الذي اعتبرته حكومة الإنقاذ فتحًا عظيمًا، أقر ما قاله الترابي - بطريقة لا تخلو من المراوغة - في هذا الشأن، ونص على حرية الاعتقاد، ومن باب أولى فقد ألغى حد الردة.. لهذا ولغيره فقد كان موضع انتقاد كثير من الدعاة في البلدان العربية، ولم يجدوا فيه ما كانوا ينتظرونه من حكومة الإنقاذ.

ثانيًا: عقيدته في اليهود والنصارى:

قال الترابي:

"إن قيام جبهة المؤمنين هو مطلب الساعة، وينبغي ألا تحول دونه المخاوف والتوجسات التاريخية، فنحن نعلم جميعًا أن الكثير من الحروبات التي شنت باسم الدين والاضطهاد الذي وقع باسم الدين كان الدين منه براء، لأن الأديان السماوية لا تدعو لنشر رسالتها - رسالة الفضيلة والسلام - بحد السيف أو بالقنابل والمدافع، ونحن نقرأ تاريخ الحروب الصليبية التي شنت على الشرق فنراها حملات استعمارية، استخدم فيها بعض ملوك أوربا شعار الصليب واسم المسيحية ليحققوا توسعًا استعماريًا تتعبأ فيها جماهيرهم المؤمنة، ويمدهم بالموارد وبكنوز الشرق التي كانوا يسمعون بها، وكذلك جاءت الموجة المتأخرة من الاستعمار واستخدمت اسم الدين ودعاوى التبشير لتبسط نفوذها على الأرض والناس تتخذهم سلعة لتجارة الرقيق وسخريًا لتحقيق مآربها الدنيوية المفارقة لهدي الأديان جميعًا، ولقد جاءت الموجة الاستعمارية بعرقيتها وعنصريتها مخالفة لهدي الإخاء المسيحي الذي لا يرى فرقًا بين أبيض وأسود إلا بالتقوى" (3) .

وقال:"إن البعد عن عصبية الدين، والتحرر من التعصب المذهبي، هو الباب المفضي إلى حوار حقيقي بين الأديان، فإذا ترك أهل الأديان التعصب كل لمذهبه وملته، وأقبل على دراسة الأديان بعقل متفتح، كان أحرى أن ينكشف له الأصل الواحد لهذه الأديان، واشتراكها في القيم الأساسية التي تدعو لها. وهذه هي دعوتنا اليوم: أن تقوم جبهة أهل الكتاب، والكتاب عندنا يطلق في القرآن يقصد به كل كتاب جاء من عند الله".

وإذن: يدعو الترابي إلى قيام جبهة أهل الإيمان (المسلمون، والنصارى، واليهود) على أساس الملة الإبراهيمية، وكان منذ القديم يطرح هذه الأفكار في منتدياته، يقول في مقابله له مع مجلة المجتمع (العدد: 736، تاريخ 8/10/1985) :

"إن الوحدة الوطنية تشكل واحدة من أكبر همومنا، وإننا في الجبهة الإسلامية نتوصل إليها بالإسلام على أصول الملة الإبراهيمية التي تجمعنا مع المسيحيين بتراث التاريخ المشترك وبرصيد تاريخي من المعتقدات والأخلاق، إننا لا نريد الدين عصبية عداء، ولكن وشيجة إخاء في الله الواحد".

وفي مقابلة له مع المحرر [العدد 263، آب 1994] يقول:

"إنني لأعتقد أن النصراني أقرب إلي ممن ينافقني ويدعي الإسلام، ابتغاء مكسب، فالمنافق دينًا في الدرك الأسفل من النار، وفي الدرك الأسفل عندي من الانحطاط، أنا لا أريد أن أكره نصرانيًا ولا حتى إفريقيًا على أن يدخل في الإسلام بالإكراه. إنني أخسر بهذا ولا أربح شيئًا. بل إنني أنفتح على دعوته لي إذا شاء إلى النصرانية أو الإفريقية وأنا مطمئن إلى من تكون له عاقبة الدعوة والدار".

النفاق العملي والاعتقادي:

قوله:"ينافقني": أي يتودد إليه ويتقرب منه، ويظهر له خلاف ما يبطن، والترابي كان في الوقت الذي أجرى فيه هذه المقابلة مع"المحرر"الرجل الأول في النظام، وكان لابد من عودة رئيس الدولة - عمر البشير - إليه لعرض أموره عليه وأخذ التعليمات منه، وطلابه يعرفون كيف بطش بزملاء وأساتذة لهم من قبل، وسيكون مصيرهم كمصير مَنْ سلفهم إن لم يسترضوا شيخهم ويتوددون إليه بعبارات يعلمون أنه لا يستحقها، وهذا النوع من النفاق، اسمه"نفاق عملي"، وهو ليس أكثر من معصية وصاحبه لا يكفر، أما النفاق الذي يقود صاحبه إلى الدرك الأسفل من النار فهو"نفاق اعتقادي"ولا يعلم حقيقته إلا الله سبحانه وتعالى، لأن محله القلب، ونحن نحكم على ظاهر أفعال المرء، ولسنا مكلفين بالبحث عما تكنه صدور الناس، وفي بعض الحالات قد نحكم على أنواع معينة من الناس - ومن خلال الظاهر - بالنفاق الأكبر، ومن الأمثلة على ذلك العلماني الذي يدعو إلى مذهبه ويؤذي الدعاة إلى الله ثم نراه يصلي في المناسبات العامة لتلتقط له الصور.

فهل كان الترابي يجهل الفارق بين هذين النوعين من النفاق: الاعتقادي والعملي؟ أم كان يخلط خلطًا متعمدًا، ويستغفل عقلية المخاطبين بمقابلته مع صحيفة المحرر؟!.

أمر آخر لابد من الإشارة إليه ما دمنا في صدد الحديث عن النفاق، وذلك أن النفاق عند النصارى في بلادنا أظهر منه عند غيرهم لأنهم يكرهون ديننا، ويفضلون علينا إخوانهم نصارى أوربا وأمريكا، ولا يستطيعون البوح بذلك فيظهرون لنا خلاف ما يبطنون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت