صرفتني المشاغل عن الترابي وأفكاره، وكان خلال هذه الفترة يتردد علي من يأتيني بكتاب له [رغم ندرة مؤلفاته] أو بخبر محاضرة من محاضراته وما ورد فيها من غرائب وتناقضات، وكنت أحاول سماع الشريط أو قراءة الكتاب، فلا أستطيع المضي معه أكثر من عشرات الدقائق لأنني لا أجد فيما يقول إلا فلسفة خالية من العلم الشرعي - وحتى من الوضوح - أو من التنظير السياسي الذي يستحق الاحترام والتقدير، ولا أريد أن أضيّع وقتي بشيء لا فائدة منه.
ثم بدأت أسمع أخبار معارك بين الترابي من جهة وبعض رفاق دربه من جهة أخرى، فلم أعرها أي اهتمام لأنها وإن أخذت في ظاهرها شكلًا منهجيًا عقديًا، كانت في حقيقتها صراعًا حزبيًا داخل الجماعة الواحدة، وهجمة شرسة من القيادة ضد كل من يتمرد على أنظمتها وتعليماتها، ولو كان محقًا من الوجهة الشرعية في المسألة التي يتمرد عليها.
وفي عام 1989 قاد بعض العسكريين انقلابًا في السودان، وتضاربت الأقوال في تحديد هوية الانقلابيين، فمن قائل إنه إسلامي، ومن قائل إنه كأي انقلاب عسكري، ولو كان إسلاميًا لما أقدم على سجن شخصية إسلامية في حجم الدكتور حسن عبد الله الترابي. من جهتي لم أكن من المتحمسين لهذا الانقلاب، لا في بدايته عندما كان أمره غامضًا، ولا عندما خرج الترابي من السجن، وأكثر من القول في مجالسه الخاصة إنه انقلابنا وقادته أبناؤنا، وما كان سجني إلا بقصد التمويه.. لم أكن من المتحمسين لهذا الانقلاب، لأنني كنت أراه صدمة أخرى للذين يتطلعون ويتشوقون إلى عودة الأمة الإسلامية إلى كنف ربها، بعد الصدمة الأولى التي طبل لها الإسلاميون وزمروا، ثم كان من أمرها ما كان مما لم يعد يجهله أحد، ومما كان يزيد من قناعتي ويرسخها أن الذين يسوقون للصدمة الثانية هم أنفسهم الذين كانوا يسوقون للصدمة الأولى.
ثمة أسباب دفعتني إلى الاهتمام بثورة الإنقاذ في السودان:
منها: أن بعض من نحترم آراءهم، ونثق بمواقفهم كتبوا لمجلة"السنة"معترضين على صمتها، وعدم إعطاء حكم الإنقاذ حقه من التأييد والنصح.
ومنها: زيارات متكررة من إخوة سودانيين لنا، وبعضهم من الذين يشاركون في الحكم، وقدموا لنا صورة ناصعة البياض عن النظام الإسلامي في السودان.
ومنها: أن أحد الدعاة السلفيين الذين كانوا يعملون في صفوف القوات المسلحة في السودان - أيام نميري - حدثني عن عمر البشير قائد ثورة الإنقاذ، وذكر لي أمثلة عن تواضعه وصدقه وسلامة اعتقاده.
ومنها: تكالب قوى الكفر العالمية ضد السودان ونظامه الجديد، وهذا الذي تحدثت عنه في حلقتين من مجلة السنة تحت عنوان:"مؤامرة أمريكية صهيونية على السودان".
هذه الأسباب مجتمعة جعلتني أتعاطف مع ثورة الإنقاذ، وأعيد النظر بمواقفي السلبية السابقة.. وبعد السؤال والبحث الجاد وجدت أن الدكتور حسن الترابي هو هذه الثورة: فكرًا، وإدارة، وتخطيطًا، وسياسة، فرئيس الدولة ووزراؤه، ووكلاؤه لابد أن يعودوا إليه ويتلقوا التعليمات منه، وليس بينهم من يستطيع تجاوزه.. وهذا عندي يعني فتح ملف الترابي:
هل تراجع عن أفكاره ومعتقداته المنحرفة أم لا يزال متمسكًا بها؟، وهل يقدر أهمية قيام مثل هذه الدولة ووجوب التعاون والاستفادة من كافة الطاقات الإسلامية؟.
أوصلني فتح هذا الملف إلى نتائج أذهلتني، لاسيما وأن بعض المهتمين بالشأن الإسلامي وضعوا بين يدي ملفات نادرة عن فكر الرجل قديمًا وحديثًا.
كان أحدهم يقول لي: إن الترابي يعتقد بأن اليهود والنصارى مؤمنون، ولا يصح القول بكفرهم، فكنت أستغرب ما أسمعه، وأتلقاه بحذر خشية أن يكون وراء ذلك صراع حزبي أو موقف شخصي، ولكن محدثي يسارع إلى تقديم الدليل بعد أن يلمح على وجهي علامات الشك والريبة فيما يقوله، وأمام الدليل القاطع تراني أبحث عما بقي لي من أمل فأقول:
لعل هذا الاعتقاد موقف شخصي، ولا علاقة لحكومة الإنقاذ به، فيأتيني الرد الذي لابد أن يكون المتحدث قد توقعه، وأعد الجواب عليه:
يا أخي: قول الترابي هو قول الحكم، ثم يحدثني عن المؤتمرات التي يعقدها النظام مع النصارى، وما يحدث فيها من شركيات لا تحتمل، حتى أن شيخًا من شيوخ الصوفية نهض في أحد هذه المؤتمرات، وصرخ بوجه محمد الأمين خليفة رئيس المجلس الوطني الانتقالي الذي كان يديره: كفى مروقًا عن الدين، ثم غادر قاعة المؤتمر، وقد تملكه الغضب.
وعندما ابتلعت هذه المسألة التي من الصعوبة بمكان ابتلاعها، لم يترك لي المتحدث الآخر فسحة من الوقت للتفكير بأمر هذه الدولة، وبأمر هذا الرجل الذي استطاع بذلاقة لسانه تضليل هذا العدد الكبير من الناس.. نعم لم يترك لي المتحدث الآخر فسحة من الوقت لالتقاط الأنفاس، فقال:
وصاحبك يؤمن بأن الإنسان من حقه أن يختار الدين الذي يريده، وتطمئن إليه نفسه، وينكر إقامة حد الردة.
فأجبته: كنت أسمع بهذا أيام حكم نميري.
فقال: هو صاحب هذا القول في نظام نميري، وفي نظام الإنقاذ، وهو الذي تولى سن هذا القانون وإقراره من قبل النظامين.
وما زال أصحابي يحدثونني عن البدع الكفرية التي ابتدعها هذا الرجل حتى وجدتني أمام رجل خطير مراوغ، يتلاعب بدين الله كما يحلو له، ولا يبالي بمخالفة صريح مدلول القرآن وصحيح السنة، وإجماع الأمة.