فهرس الكتاب

الصفحة 494 من 1037

وهذا لو كان في جزئية من عقيدتهم لَعِيب عليهم إعراضهم عنها؛ مع القدرة على كشف الحق فيها, كيف وهو في أس عقيدتهم ؟!!

وعجزهم - على مر الأيام - عن إسقاط هذه التحديات التي تصرخ في الآفاق بصدق ما جاء به هذا الرجل, وكذب ما هم عليه, من أكبر الآيات على أن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكل الذين أصروا على التكذيب بدعوة هذا الرجل؛ رغم وضوحها وقوتها, لا يصح منهم تصديق رسول آخر من رسل الله.

ذلك لأن الطريق الذي يعلم به نبوة موسى وعيسى يعلم به نبوته بطريق الأولى.

فإذا قالوا: عُلمت نبوة موسى والمسيح بالمعجزات وعُرفت المعجزات بالنقل المتواتر إلينا.

قيل لهم: معجزات محمد أعظم, وتواترها أبلغ, والكتاب الذي جاء به محمد أكمل, فإن معجزة كل من موسى وعيسى عليهما السلام كانت في إطار محدود لم تجاوزه لتخاطب العالم بأكمله, وإنما سمع بها من لم يشهدها في حينها ومكانها عن طريق النقل, ومحمد صلى الله عليه وسلم قد ثبت له من هذا الجنس الشيء الكثير, ونقل نقلا أفيض وأصح. ثم خص بالمعجزة الخالدة التي أعجز الإنس والجان.

فإن ساغ لقائل أن يقول هو مع هذا كاذب مفتر, كان على هذا التقدير الباطل غيره أولى أن يقال فيه ذلك, فيبطل بتكذيبهم محمدا جميع ما معهم من النبوات إذ حكم أحد الشيئين حكم مثله فكيف بما هو أولى منه ؟ (1)

وهناك شيء آخر, وهو أنهم لما قالوا إن هذا الرجل كاذب, وظالم, وباغ, و...., و,

إلى ما هنالك من التهم التي يلصقونها به, مع إيمانهم بأن لهذا الكون خالقا وربا ومالكا, وأنه ما وُجد صدفة هكذا - كما يقوله الفلاسفة الدهريون -, فإنهم بهذا التكذيب قد شتموا رب العالم ومالكه أقبح شتم.

ستقول لي: كيف ذلك ؟

وأجيبك: بأنهم إن قالوا: إن محمدًا ملك ظالم قهر الناس بسيفه وليس برسول من عند الله، وقد أقام ثلاثًا وعشرين سنة يدعي أنه رسوله الله أرسله إلى الخلق كافة، ويقول: أمرني الله بكذا ونهاني عن كذا وأوحى إلى كذا ، ولم يكن من ذلك شيء.

وهو يدأب في تغيير دين الأنبياء ومعاداة أممهم ونسخ شرائعهم ، فلا يخلو إما أن يقولوا: إن الله سبحانه كان يطلع على ذلك ويشاهده ويعلمه أو تقولوا إنه خفي عنه ولم يعلم به ،

فإن قالوا: لم يعلم به نسبوه إلى أقبح الجهل وكان من علم ذلك أعلم منه ، وإن قالوا: بل كان ذلك كله بعلمه ومشاهدته واطلاعه عليه فلا يخلو إما أن يكون قادرًا على تغييره والأخذ على يديه ومنعه من ذلك أو لا، فإن لم يكن قادرًا فقد نسبوه إلى أقبح العجز المنافي للربوبية، وإن كان قادرًا وهو مع ذلك يعزه وينصره ويؤيده ويعليه ويعلي كلمته، ويجيب دعاءه ويمكنه من أعدائه ويظهر على يديه من أنواع المعجزات والكرامات ما يزيد على الألف ولا يقصده أحد بسوء إلا أظفره به ولا بدعوة إلا استجابها له فهذا من أعظم الظلم والسفه الذي لا يليق نسبته إلى آحاد العقلاء فضلًا عن رب الأرض والسماء فكيف وهو يشهد له بإقراره على دعوته وبتأييده وبكلامه وهذه عندهم شهادة زور وكذب.

وإن فروا من ذلك وقالوا: معاذ الله أن يفعل الله هذا بكاذب مفتر بل هو نبي صادق من اتبعه أفلح وسعد, لكنه بعث إلى الأميين الذين لا كتاب لهم ؟

قيل لهم: غلبتم كل الغلب، فإنه قد علم الخاص والعام أنه أخبر أنه رسول الله إلى جميع الخلق ، وإن من لم يتبعه فهو كافر من أهل الجحيم ، وقاتل اليهود والنصارى وهم أهل كتاب ، وإذا صحت رسالته وجب تصديقه في كل ما أخبر به. (1)

وأختم هذا الحديث بالنقاش الذي دار بين هرقل ملك الروم, وأبي سفيان, وكان وقتئذ على الكفر:

قال أبو سفيان (2) : جئ بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل, فأرسل إليه في ركب من قريش؛ وكانوا تِجَارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله عليه الصلاة والسلام مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش, فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟

قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبًا. فقال: أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابَه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائلٌ هذا عن هذا الرجل، فإن كَذَبني فكذِّبوه.

فقال أبو سفيان: وأيم الله لولا مخافة أن يؤثر على الكذب لكذبت.

ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم ؟ قال قلت: هو فينا ذو حسب قال: فهل كان من آبائه من ملك قلت: لا .

قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت: لا ، قال: ومن اتبعه ، أشراف الناس أم ضعفاؤهم ؟ قلت: بل ضعفاؤهم ، قال: أيزيدون أم ينقصون ؟ قلت: لا بل يزيدون ، قال: فهل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له ؟ قال قلت: لا

قال: فهل قاتلتموه ؟ قلت نعم، قال فكيف كان قتالكم إياه ؟ قال قلت: يكون الحرب بيننا وبينه سجالا يصيب منا ونصيب منه، قال: فهل يغدر ؟ قلت لا ونحن منه في مدة ما ندري ما هو صانع فيها، قال: فواله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه ، قال: فهل قال هذا القول أحد قبله ؟ قلت لا.

قال لترجمانه: قل له إني سألتك عن حسبه فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها، وسألتك هل كان في آبائه ملك ؟ فزعمت أن لا، فقلت لو كان في آبائه ملك لقلت يطلب ملك آبائه، وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم ؟ فقلت بل ضعفاؤهم ، وهم أتباع الرسل.

وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فزعمت أن لا ، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله عز وجل (1) ، وسألتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطة له ؟ فزعمت أن لا وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب ، وسألتك هل يزيدون أم ينقصون ؟ فزعمت أنهم يزيدون ، وكذلك الإيمان حتى يتم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت