الصفحة 925 من 3812

وهكذا فإن على شباب الصحوة الإسلامية أن يدركوا أن مجرد قراءة النصوص وحفظها ليس فقهًا، بل الفقه شيء زائد عن مجرد الألفاظ، وهذا أمر ورد واضحًا في قوله (تعالى) : (( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ) ) [النساء: 82] : قال ابن كثير في تفسير الآية: (يستنبطونه أي يستخرجونه من معادنه) ، فالكلام أن معنى يستنبط يستخرج، يقول: (ومعلوم أن ذلك قدر زائد على مجرد فهم اللفظ، فإن ذلك ليس طريقه الاستنباط، إذ إن موضوعات الألفاظ لاتنال بالاستنباط، وإنما تنال به العلل والمعاني والأشباه والنظائر ومقاصد المتكلم، والله سبحانه ذم من سمع ظاهرًا مجردًا فأذاعه وأفشاه، وحمد من استنبط، من أولي العلم حقيقته ومعناه) .

لذلك فإن معرفة فنون العلم والفقه الواردين في الشرع، وتتبع تقريرات علماء السلف في ذلك هو وحده العاصم من الخروج عن مراد الشرع نظرًا وعملا، وهو الهادي للسداد والتوفيق ولخيري الدنيا والآخرة.

المقصود بفقه مراتب الأعمال:

هو من أنواع الفقه التي يجب أن يتعلمها المسلم ويهتم بها، وهو يعني: العلم بفاضل الأعمال ومفضولها، وأرجحها ومرجوحها، فإن كانت الأعمال طاعة علم أيّها أحب إلى الله وأكثرها أجرًا وثوابًا، وإن كانت معصية علم أيّها أبغض إلى الله وأكثرها وزرًا وعقوبة، وإن كانت الأعمال وسيلة إلى أهداف معينة (المقاصد الشرعية مثلًا) علم أيّها أقدر على تحقيق هذه الأهداف، وأيّها أولى بذلك، وإن كان الإنسان أمام بدائل متعددة من خير أو شر، علم خير الخيرين وشر الشرين، وإذا جهل المسلم أي الأعمال أفضل وأولى لاشك أن ينفق وقته وجهده وماله في أجر أقل ويفوت ماهو أجل وأعظم، وأنه اختلطت لديه مراتب الأعمال واختل لديه توازنها قد يصل إلى عكس مقصود الشرع؛ فيأثم من حيث يريد أن يغنم، أو إلى عكس مقصوده في الواقع؛ فيفسد من حيث يريد أن يصلح.

القرآن الكريم ومراتب الأعمال:

وقد وردت آيات عديدة في كتاب الله (عز وجل) تبين أن الأعمال ليست كلها في درجة واحدة، بل تختلف درجاتها في الخير، كما تختلف دركاتها في الشر.

ومن ذلك قوله (تعالى) : (( إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) ) [البقرة: 271] . قال ابن كثير: (فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها) *.

ومن ذلك أيضا قوله (تعالى) : (( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ) [التوبة: 19] ففاضلت الآية بين أمرين كلاهما طاعة وقربة، وبينت أنهما لايستويان عند الله (تعالى) .

وفي قوله (تعالى) : (( لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) ) [القدر: 3] دليل على أن عبادة وقيام ليلة القدر خير من عبادة ألف شهر.

كما بين القرآن الكريم في آيات أخرى: أن المحرمات منها الكبائر والصغائر، فقال (تعالى) : (( إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) ) [النساء: 31] ، وقال سبحانه مادحًا عباده المحسنين: (( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ ) ) [النجم: 32] . فدلت الآيتان على أن المنهيات قسمان: كبائر، وأخرى دونها سميت في الآية الأولى سيئات، وفي الثانية لمَمًا. قال ابن كثير (لأن اللمَمَ من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال) .

السنة النبوية ومراتب الأعمال:

والسنة النبوية زاخرة بالنماذج والأمثلة لتفاضل الأعمال والتكاليف الشرعية التي يجب على المسلم مراعاتها في عبادته وحركته في الحياة، وربما يكون أجمع حديث في ذلك حديث أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (الإيمان بضع وسبعون ـ أوبضع وستون ـ شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) (6) .

وقد سئل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مرارًا عن: أي الإسلام أفضل، أو أيه خير فأجاب، وإنما المقصود أي أعمال المسلم أفضل أو أخير؛ ولذلك بوب الإمام النووي لأحاديث رواها مسلم في صحيحه من ذلك النوع، فقال: (باب بيان تفاضل الإسلام، أو أي أموره أفضل) (7) .

وفي المقابل بينت أحاديث عديدة كون الذنوب أنواعًا ومراتب، فعن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يارسول الله. قال ـ ثلاثًا ـ:(الإشراك بالله، وعقوق الوالدين) وكان متكئًا فجلس فقال: (ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور) (8) . وعن عبد الله بن مسعود قال: قلت يارسول الله: أي الذنوب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) ، قلت: ثم أي؟ قال: (أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك) (9) .

أصول الفقه يضع القواعد:

وانطلاقًا مما مر، فقد اتفقت الأمة على أن الأحكام الشرعية التي كلف بها المسلم أنواع ومراتب، وليست على ميزان واحد، كما اتفق جمهور العلماء على انقسام مأمورات الشرع إلى واجبات ومستحبات، وانقسام منهياته إلى مكروهات ومحرمات. يقول مجد الدين ابن تيمية في المسودة: (اتفق الفقهاء والمتكلمون على أن أحكام الشرع تنقسم إلى: واجب، ومندوب، ومحرم ومكروه ومباح) (10) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت