وأمر آخر ينبغي فعله في إطار مناهضة الاستشراق وهو إنشاء علم (الاستغراب) في جامعاتنا ومعاهدنا المتخصصة بغية استيعاب الغرب واحتواء توجهاته وميوله الفكرية وكذلك كشف البنية التحتية للعقلية الغربية حتى تكون مناهضتنا للغرب والاستشراق الغربي متسمة بالدقة والإتقان ويكون خطابنا وردودنا نابعة عن موقف المسؤولية العقلية والنضج الثقافي وعلى مستوى الوعي الغربي والعقلية الغربية، ولعل إدوارد سعيد يمثل معلمًا رائعًا في هذا الطريق.. فالرجل عربي فلسطيني حاول استيعاب الغرب وتوجهاته الاستشراقية استيعابًا أقل ما يمكن وصفه بأنه يتصف بكثير من الجدية والإتقان ، ثم هو بحكم معايشته الغربيين لمدة طويلة أتقن أسلوب مخاطبة العقلية الغربية مما جعل كتابه الذي أصدره عام 1978 ميلادي (بالإنجليزية) متناولًا فيه موضوع الاستشراق يحدث دويًا كبيرًا في الساحة الثقافية الغربية بصورة عامة وفي محيط الاستشراق بصورة خاصة، وأظن أننا لو سرنا على خطى إدوارد سعيد وأسسنا دوائر متخصصة لإنجاز مثل هذه الأعمال فإننا سنحقق الكثير في سبيل الرد على التحدي الاستشراقي بجدارة وإتقان.
ــــــــــــــــــــــــــ
الدعوة إلى الله:"محمد شمس الحق"
الفكر الاستشراقي.. وأثره على الدعوة
مما لا شك فيه أن الاستشراق منذ نشأته في أوروبا القرون الوسطى، قد عمل جاهدًا على مقاومة الدعوة الإسلامية وهدم قيم الإسلام وأسسه الفكرية وذلك عن طريق تشويه صورة الإسلام بمفتريات وأكاذيب تمجها الآذان وتتقزز منها المشاعر، وكانت معظم هذه المفتريات ينصب بالدرجة الأولى على شخصية نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم بسبب يقين المستشرقين بأنه صلى الله عليه وسلم يمثل الأساس في الرسالة الإسلامية، إذ إنه هو الذي بلغ الإسلام عن الله، وامتثله في نفسه وكوَّن أمة عظيمة على عاتقه.فإذا استطاعوا إلقاء أغشية على شخصيته فإن ذلك سيكفل لهم عدم انتشار رسالته ثم إدخال كثير من الريب والشكوك في قلوب الذين اتبعوه وآمنوه به.
ومن ثمَّ قالوا عن نبي الإسلام الطاهر، الصادق الأمين، بأنه كان رديء الولادة والسمعة وأنه عاش بربريًا بين برابرة، وثنيًا بين وثنيين، وأنه تعلم ما نشره من الدين من راهب فر إلى الجزيرة العربية واسمه"سيرجونز"الذي اعتقد محمد أنه الملك (( جبريل ) )، وأنه كان ذا شهوات جامحة، متعجرفًا في الحياة وأنه قبل الوفاة حاول أن يعمِّد نفسه ولكن الشياطين منعته من ذلك!! وعندما مات أكلته الخنازير التي تعتبر من الحيوانات القذرة.
بالإضافة إلى هذه الادعاءات الكاذبة التي افتراها مستشرقو القرون الوسطى على أعظم شخصية في التاريخ وأكثرها عفة وطهرًا، اخترع المستشرقون مفتريات أخرى حاولوا أن يصِمُوا بها أقدس جماعة بشرية في التاريخ كله، الصحابة الكرام وكذلك المسلمين بصورة عامة، فقد قالوا عن الصحابة بأنهم: (زمرة من منتهكي الحرمات المقدسة، وقطاع الطرق والسالبين، والقتلة واللصوص) ، وقالوا عن المسلمين بصورة عامة بأن سبب إسلامهم:
1-إما أنهم خدعوا بالشيطان بسبب سذاجتهم .
2-أو حذوا حذو أقربائهم ولو قاد ذلك إلى الخطأ.
3-أو للحصول على المنافع المادية.
وقالوا عن المسلمين أيضا بأنهم يعبدون محمدًا في المساجد، وأنهم شعوب ينتمون أساسًا إلى السيف.
أما عن الإسلام فقد قالوا عنه بأنه (مجموعة من العقائد المسيحية واليهودية والوثنية) ، وأن العنف من مكوناته، وأنه لا يقبل الخلاف العقلاني، وأنه رمز للتعصب واللاإنسانية وأنه منبع المبالغات والانحرافات في أنظمة الفكر.
وقالوا عن القرآن الكريم بأنه غير منطقي وغير معزز بالمعجزات.
هذه بعض النماذج من الإفك الأثيم الذي أنتجه الفكر الاستشراقي وروجه في عرض العالم الغربي وطوله منذ العصور الوسطى. وإذا كان هذا الإفك الاستشراقي لم ينجح في طمس معالم الإسلام وزعزعة أركانه إلا أنه نجح إلى حد كبير في وقف أو على الأقل إبطاء انتشاره في العالم الغربي المسيحي على وجه الخصوص، إذ إن الإنسان الغربي كلما كانت تطرق إذنه لفظة الإٍسلام أو ما أسموه بـ (المحمدية) فإن تلك الصور البشعة والمرعبة كانت تتمثل أمام ناظريه، فيفر من الإسلام فرار الظبي من الأسد، ولا شك أن كثيرًا من هذه الصور لا تزال عالقة في العقل الأوروبي إلى اليوم مما يجعله ينظر إلى الإسلام بكثير من الشك والريب والتوجس.
انعطافة في الفكر الاستشراقي
وإذا كان استشراق القرون الوسطى قد مارس هذا النوع المخزي من الهجوم ضد الإسلام بهدف حماية المسيحيين من التأثير الإسلامي - بسبب ما كان يجسده في تلك الفترة من قوة تبشيرية عارمة - ثم محاولة جعل المسلمين يعتنقون الإسلام فإن الاستشراق في نهاية القرون الوسطى قد أخذ ينحو منحى أخر. فقد أصبح الأوروبيون أكثر تقدمًا في مجال الفلسفة والطب والعلوم الأخرى بعد أن كان المسلمون أساتذتهم فيها، وبدا لهم أن تحويل المسلمين عن دينهم لكي يعتنقوا المسيحية بهذا الأسلوب العنيف شيء مستحيل.