يقول هذا وهو يخاطب جيل التابعين، فبالله عليكم ماذا يقول لو رأى جيلنا؟!
وروى البخاري أيضا: عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة، إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده، فقاء كل شيء في بطنه.
وفي بعض الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم لما أخبر بذلك قال: أو ما علمتم أن الصديق لا يدخل جوفه إلا طيبا .
وفي الإحياء: ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء
وأخرج أحمد في الزهد عن ابن سيرين قال: لم أعلم أحدا استقاء من طعام أكله غير أبي بكر. أرأيتم إلى ورع الصديق رضي الله عنه!!
وقال عمر رضي الله عنه تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الربا.
وذكرالإمام أحمد في الزهد قال:"قدم على عمر مسك وعنبر من البحرين فقال عمر: والله لوددت أني وجدت امرأة حسنة الوزن تزن لي هذا الطيب حتى أقسمه بين المسلمين، فقالت له امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل: أنا جيدة الوزن فهلم أزن لك! قال: لا، قالت: لم؟ قال: إني أخشى أن تأخذيه فتجعليه هكذا - أدخل أصابعه في صدغيه - وتمسحين به عنقك فأصبت فضلا على المسلمين".. هكذا يضرب المثل لكل من أراد أن يقتدي.
القدوات يعلِّمون الورع
وانظر رعاك الله إلى هذه المرأة التي بلغت من الورع أقصى المراتب امرأة تسأل الإمام أحمد: إنا نغزل على سطوحنا فيمر بنا مشاعل الظاهرية ـ الحرس ـ أفيجوز لنا الغزل في شعاعها؟ فسألها من أنت عافاك الله؟ قالت: أخت بشر الحافي! فبكى وقال: من بيتكم يخرج الورع الصادق.
إنها أخت بشر الحافي الذي كان يقول: أشتهي شواءً منذ ثلاثين سنة لكن لم يصف لي درهمه.
وهاك مثلا من التربية الفذة على الورع فعن حماد بن زيد قال: كنت مع أبي فأخذت من حائط تبنة، فقال لي: لم أخذت؟ قلت: إنما هي تبنة! قال: لو أن الناس أخذوا تبنة هل كان يبقي في الحائط تبن؟! يعلم ولده عدم استصغار التبنة حتى لا يستصغر في المستقبل ما هو أكبر منها.
وهذا الحسن بن عبد العزيز الجروي شيخ البخاري لم يقبل من إرث أبيه شيئا لشبهة خالطته.
قال عبد المجيد بن عثمان صاحب تاريخ تنيس: كان صالحا ناسكا وكان أبوه ملكا على تنيس ثم أخوه علي، ولم يقبل الحسن من إرث أبيه شيئا، وكان يقرن بقارون في اليسار.
وأما ابن المبارك الإمام فقد سافر من بلاد مرو (بخراسان) إلى الشام ليرد قلما كان قد استعاره من رجل هناك، فلما عاد إلى مرو وجد القلم معه فعاد مرة أخرى إلى الشام ليرد القلم.
فهل نحاول أن نسير على طريق الورع حتى نلحق بالرجال الورعين ونعيد لأمتنا سالف مجدها.. هذا الطريق واضح فأين السالكون؟!.
ياليت رأسي قدم!!!
انقلاب الموازين واختلال القيم سمة بارزة من سمات هذا الزمان الذي نحياه، وإذا كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى قد قال في زمانه:"إذا رأيتم شيئا مستقيما فتعجبوا".. فإن هذه المقولة تكاد تشمل جميع مناحي حياتنا .
وهذا الخلل نكرسه نحن من خلال مؤسساتنا بمختلف أنواعها وخاصة المؤسسة الإعلامية التي استطاعت أن تقلب الموازين وتعيد صياغة العقول وتقييم النفوس: فالأقزام يتعملقون، والهوامش يُشار إليهم بالبنان، والتوافه هم الأكثر جاذبية ويسيل لعاب الأمنيات نحوهم، وفي مقابل ذلك لا نرى أثرًا للعمالقة ؛ وإذا ما ذُكروا فإما تهمّش أدوارهم أو تشوه صورتهم، وما تزال صورة المعلمين وعلماء الدين على شاشات التلفاز أو السينما تثير الاشمئزاز والسخرية، فذهبت هيبة الدين واللغة والتقاليد، وتحطمت الأخلاق والقيم بتحطيم هذه الشخصيات وتشويهها ..
لا تزال صورة اللاعب الذي أحرز ميدالية أوليمبية فمنحته دولته مليون جنيه ماثلة أمامي، في الوقت الذي لا يجد فيه العالم وطالب العلم في تلك الدولة ما يسد به حاجاته الأساسية.. ولا تزال أسهم لاعبي الكرة والممثلون والبطالون في بلادنا في ارتفاع وأسهم أهل العلم والمثمرون في انخفاض نتيجة لهذه التوجهات الفاسدة حتى أصبحت همة كل شاب أن يكون لاعبا أو فنانا ممثلا كما يسمونه..
الحليم حيرانا
إنه واقع أليم لكنه واقع نعيشه جعل هذا الشاعر المكلوم يكتب تحت عنوان"الحليم حيرانا"وما أصدقه من عنوان يصيب كبد الحقيقة فيقول:
سل الذين فهموا.. ... ..أما لديكم حكم
يحكم في أمر لديه.. ... ..المبصرون قد عموا
قالوا لدينا حكم.. ... ..مدرب معلم
إذا عرضت الأمر يأ.. ... ..تيك الجواب المحكم
يا سيدي يا حكم.. ... ..هذا سؤالي المبهم
جاري سعيد عالم.. ... ..مخضرم معلم
موسوعة في كل فن.. ... ..بالعلوم مغرم
وعقله جوهرة.. ... ..بل للذكاء منجم
إبداعه في كتب.. ... ..بها يضاء المعتم
وفكرة رائعة.. ... ..تهفو إليها الأمم
وإن أردت المرشد الـ.. ... ..داعي فذاك العلم
كم علم الأجيال كم.. ... ..من علمه قد غنموا
علومه كنوزه.. ... ..لكن جاري معدم
يعيش في ضيق توا.. ... ..رت في سواه النعم
كأنما الأرزاق صيد.. ... ..والتعيس مُحرِم
يسعى لها مجاهدًا.. ... ..لكنها تنهزم
لكن جاري سالما.. ... ..أحواله تبتسم
كأنما الأرزاق حو.. ... ..ل بابه تختصم
تسعى له وما سعى.. ... ..بل إنها تزدحم
لأنه بالكرة الشما.. ... ..ء صبٌّ معرم
أسطورة النادي وفي النـ.. ... ..ـادي تشع الأنجم
تأتي المباراة فيأ.. ... ..تي للسخاء موعد
وإن يحقق هدفًا.. ... ..تهطل عليه النعم
سيل الهدايا دافق.. ... ..كأنه عرمرم
سيارة جديدة.. ... ..ومبلغ محترم