الصفحة 466 من 3812

رعى الغنم ولكنه قاد الأمم، رقع الثوب وحلب الشاة وكنس البيت. ضحك وبكى، وصام وأفطر، وسافر وتاجر، وتزوج النساء. مازح الأطفال، وربى الكبار، وواسى المحتاجين، وأعطى المساكين. اغتنى فشكر، وافتقر فصبر. وبالجملة فقد اجتمعت فيه كل خصال الخير.

لقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون لنا أنموذجًا نتبعه، ومثالًا نحتذيه عليه الصلاة والسلام، فهل يعقل يا أمة الإسلام بعد كل هذا أن نبحث عن غيره، أو أن نتلمس سواه؟

لا والله لا ينبغي هذا ولا يكون، بل هو أسوتنا وقدوتنا.. {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21] .

حزب الفساد..

بعد أن سقطت أو ضعفت كثير الأحزاب العقائدية التي وجدت لها سوقا رائجة في الخسمينات والستينات في القرن الماضي، هذه الأحزاب التي كانت تناوئ الإسلام وتريد فرض فكرتها على الشعوب العربية كالشيوعية والاشتراكية (بأشكالها وألوانها المتعددة) والقومية بمعناها العنصري الضيق. بعد هذا الانحسار الذي أصابها لم يعد أمام مخططي سياسة محاربة الإسلام إلا أن يلجأوا إلى وسيلة أخرى تقف أمام موجة الرجوع إلى الدين ، وسيلة رخيصة سهلة وهي نشر الفساد الخلقي بين صفوف الناس وبين الشباب والشابات خاصة. وهذا له وسائل كثيرة منها: تشجيع الغناء والمغنين والرقص والراقصين ،وإقامة الحفلات على المدرجات الكبيرة، وإنشاء المهرجانات التي تفتح وتبرر باسم الثقافة وتشجيع الفنون، واللهو (البريء) فهذه الأمور تشغل الشباب والشابات عن تفكير في القضايا الجادة ، سواء كانت ثقافية أو سياسية.

ثم جاءت بعض القنوات الفضائية لتزيد الطين بله أو لتزيد في الطنبور نغما كما يقال. والذي يشاهد بعض هذه القنوات لا يستطيع إلا أن يجزم بأنها تسير ضمن مخطط واضح لإفساد الناس وإنشغالهم بالتوافه، إن خطورة هذه القنوات ليس في إشاعة الفساد وحسب ولكن هناك مخدرا آخر يؤثر على المشاهدين سواء علمت هذه القناة أم لم تعلم، وهو تشجيع أحلام اليقظة فمن خلال المسلسلات أو الأخبار غير الدقيقة والتحليلات التي كثرت في هذه الأيام من أصحاب الخبرات الاستراتيجية!! يعيش المشاهد أحلاما وهمية ، فيظن أن الواقع كما يشاهد على الشاشة.

أصحاب (الأيدلوجيات) المنحسرة يشجعون هذا الفساد فليس عندهم شيء يقدمونه للناس. والحقيقة أنهم لو كانوا أصحاب مبادئ لاحترموا الفكر الآخر، واعترفوا بالهزيمة وراجعوا أنفسهم، وفكروا مليا بالتحولات الواقعة ، ونظروا للإسلام نظرة مجردة عن الهوى ، فالإسلام دين يحرر الإنسان من قيود العبودية لغير الله، والإسلام لا يقيد حرية الإنسان التي يحتاجها في بحثه عن المعاني الصحيحة، والاجتهاد فيما ينفع الإنسان ، إن استرقاق الإنسان لا يكتب له الدوام، ولابد أن ينتبه يوما للوسائل التي تحاول إخضاعه وتسخيره لشهوات فئة محدودة.

بعض الدول كانت تستعين بأصحاب هذه المذاهب لمواجهة التيار الإسلامي، ولكن بعد ضمور هذه الأفكار وانكماش هذه المذاهب لم يبق لها إلا أن تشجع الفساد الخلقي والمالي، فعندما يقبل الموظف أو أي فرد في مؤسسة الرشوة فهذا دليل على انحطاط أخلاقه وانهيار شخصيته بحيث يصبح لا قيمة له. هل نقول إن حزب الفساد هو الحزب الكبير الآن في الوطن العربي، وهو الحزب الوحيد المصرح له بقوة أن يمارس هوايته ، ربما يكون ذلك ، ولكنه حزب ضعيف (إن كيد الشيطان كان ضعيفا) .

لا شك أن الاستقامة تحتاج إلى نضال طويل كي تفرض نفسها في هذا الوسط ، تحتاج إلى إرادة قوية وتضحية معنوية ومادية ، أما المهاونة السلبية التي تردد: (إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون) فلا تنفع في هذا المقام.

عشر ذي الحجة.. واغتنام مواسم الخيرات

اتفقت كلمة العقلاء والعلماء على أن الليل والنهار يحملان العبد إلى أجله، وأن من كانت مطيته الليل والنهار سير به وإن لم يسر، فالأيام مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة، حتى يُنتهَى بهم إلى آخر سفرهم، والسعيد من اغتنم خيرها، والبعيد من حرم استغلالها، وفرط في حق نفسه وربه بتضييعها، ولم يقدم لنفسه زادًا، وانقطاع السفر عن قريب، والأمر عاجل وكأني به قد بغتك.

لقد جعل الله الليل والنهار خلفة يتبع بعضهما بعضًا ويخلف أحدهما الآخر ليكون في كل واحدٍ من صاحبه وسابقه مستعتب، فمن عجز عن السابق عمل في اللاحق: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) [الفرقان:62] .

على أن أيام الله ليست كلها عند الله سواسية، بل فضل بحكمته بعضها على بعض، واختار بعضها من بعض،"فلله خواص من الأزمنة والأمكنة والأشخاص". (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) [القصص: 68] .

وقد اختار الله من الأيام أياما جعلها مواسم خيرات، وأيام عبادات، وأوقات قربات، وهي بين أيام السنة كالنفحات، والرشيد السعيد من تعرض لها، ونهل من خيرها، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الطبراني بسند حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده] . (حسنه الألباني في الصحيحة) .

ومن هذه المواسم النيرات، والنفحات المباركات، أيام العشر الأول من ذي الحجة الحرام، فقد اختارها الله على ما سواها، ورفع شأنها واجتباها، وجعل ثواب العمل فيها غير ثوابه فيما دونها، علاوة على ما خصها الله به من أعمال فريضة الحج التي لا تكون في غيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت