وقد كان خليفة الأندلس عبد الرحمن الناصر قد احتاج لشراء أرض هي وقف على المرضى، وكانت مقابلة لقصره ومنتزهه في قرطبة فشكى إلى القاضي ابن بقي وقال له: تكلم مع الفقهاء، وعرفهم رغبتي، وما أبذله من أضعاف القيمة فيه، فلعلهم يجدون في ذلك رخصة، فتكلم ابن بقي معهم فلم يجعلوا إليه سبيلًا، وغضب الناصر، وأمر الوزراء بالتوجيه فيهم إلى القصر وتوبيخهم، فلما وصلوا انبرى لهم رجل جديد من الوزارة، فأفحش في خطابهم وقال لهم: يا آكلي أموال اليتامي ظلمًا، احتاج الخليفة إلى دقة نظركم مرة في عمره فلم يسعه نظركم للتحمل له، فبدأ شيخ منهم ضعيف إلى الاعتذار واللياذ بالعفو، فرد عليه كبيرهم محمد بن إبراهيم بن حيون فقال: لِمَ نتوب يا شيخ السوء ثم أقبل على الوزير فقال: ليس المبلغ أنت، وكل ما ذكرته عن أمير المؤمنين مما نسبته إلينا فهي صفتكم معاشر خدمه، أنتم الذين تأكلون أموال الناس بالباطل وتستحلون ظلمهم، وتبغون في الأرض بغير الحق، وأما نحن فليس هذه صفاتنا، ولا كرامة، ولا يقوله إلا متهم في دينه، فنحن أعلام الهدى وسروج الظُلْمَة بنا تنفذ الأحكام، ويفرق بين الحلال والحرام، وبنا تقام الفرائض، وتثبت الحقوق، وتحقن الدماء، فهلا إذا عتب علينا أمير المؤمنين بشيء لا ذنب لنا فيه تأنيت بإبلاغنا رسالته بأهون من إفحامك، ولو كنا عنده على الحالة التي وصفتها لبطل عليه كل ما صنعه، وعقده وحلَّه، من أول خلافته إلى هذا الوقت، فما بتَّ له كتاب حرب ولا سلم، ولا بيع ولا شراء ولا صدقة ولا حبس، ولا غير ذلك إلا بشهادتنا، هذا ما عندنا والسلام. [12]
وفي عهد أمير الأندلس الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، قام العلماء عليه لما اشتهر بأنه:"كان مجاهرًا بالمعاصي سفاكًا للدماء". [13] وقالوا إنه غير عدل، وعوّلوا على تقديم أحد أهل الشورى بقرطبة وهو أحمد بن المنذر بن الداخل الأموي ابن عم الحكم، لما عرفوا من صلاحه وعقله ودينه، وكان على رأس هؤلاء العلماء الفقيه العالم يحيى بن يحيى الليثي، الذي قيل عنه أنه:"لم يعط أحد من أهل العلم بالأندلس من الحظوة وعظم القدر وجلالة الذكر ما أعطيه يحيى بن يحيى". [14] والعالم الزاهد القاضي عيسى بن دينار بن واقد الغافقي، وكانوا يقولون: فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها عبد الملك بن حبيب، وعاقلها يحيى بن يحيى الليثي، [15] وكان خيرًا فاضلًا عابدًا، ومنهم: طالوت بن عبد الجبار المعافري، وغيرهم. وقد علم الحكم بن هشام بأمرهم عن طريق ابن عمه أحمد بن المنذر، حين وثق به هؤلاء العلماء، ففرَّ يحيى بن يحيى والتجأ إلى قومه من مصمودة، ثم سار إلى طليلة، فأجاره أهلها ولم يسلموه للحكم ومنعوه، ثم رجع إلى قرطبة بعد أن هدأت الأحوال، وكذلك عيسى بن دينار، وقد قتل كثير من العلماء من أمثال مالك بن يزيد القاضي، وموسى بن سالم الخولاني وخرج أهل حي الربض من قرطبة والأندلس، حتى استقر بهم المقام في مدينة الإسكندرية في مصر، ثم خرجوا منها وافتتحوا جزيرة كريت في البحر المتوسط، واستقروا بها.
ثم إن الحكم كتب كتاب أمان عام، فأحضر طالوت بن عبد الحبار المعافري، فقال له الحكم: ألم أكرمك وأفعل كذا؟ ألم أمشِ في جنازة امرأتك؟ أفما رضيت إلا بسفك دمي؟ فقال الفقيه في نفسه: لا أجد أنفع من الصدق، فقال: إني كنت أبغضك لله، فلم يمنعك ما صنعت معي لغير الله، وإني لمعترف بذلك، فوجم الحكم وقال: اعلم أن الذي أبغضتني له قد صرفني عنك، فانصرف في حفظ الله. [16] ...
[1] - رسائل ابن حزم: رسالة التلخيص 3/173.
[2] - يشير - رحمه الله - إلى أمر هام، وهو أن اجتماع العلماء والناس على الإنكار بالقلب (وهو أضعف الإيمان) يمكن أن يغير الحال
[3] - المصدر السابق 3/173.
[4] - سير أعلام النبلاء 5/44
[5] - سير أعلام النبلاء 4/343.
[6] - السخاوي: الإعلان بالتوبيخ: 27
[7] - تفسير المنار 1/113.
[8] - تفسير المنار 1/457.
[9] - سير أعلام النبلاء 5/64.
[10] - ابن أيوب أخو صلاح الدين الأيوبي
[11] - انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 22/81.
[12] - القاضي عياض: ترتيب المدارك 2/400.
[13] - الكلام لابن حزم، انظر سير أعلام النبلاء 9/22.
[14] - رسائل ابن حزم: رسالة التلخيص 3/173.
[15] - ابن الفرخي: تاريخ علماء الأندلس 2/900.
[16] - ابن الفرخي: تاريخ علماء الأندلس 2/900.
هل سأراك أخي العزيز ؟!
أبو حميد الفلاسي
خرجت في إحدى الأيام متجهًا إلى المسجد لأداء الفريضة...
دخلت المسجد فوجدت عددًا من المصلين في المسجد..
تأملت الموجودين، فمنهم من يصلي ومنهم من يقرأ القرآن ومنهم من يذكر الله..
بحثت عن شيءٍ في هذا المسجد، كأن هذا الشيء قد ضاع مني..
فحزنت عندما فشلت محاولتي أن أجد هذا الشيء..
صليت ركعتين وجلست... عقلي مشغول، والأفكار تدور..
لماذا لا أجد هذا الشيء في المسجد؟!
لماذا هو غائب..؟! هل تعلم من هو.. ؟؟!!
فكر معي فربما تجد هذا الشيء وربما تكون أنت هذا الشيء المفقود في المسجد.
لماذا لا أجدك يا أخي بين المصلين؟!
لماذا يا أخي تتكاسل عن أداء الفريضة، ولا تتكاسل عن لقاء الأصدقاء؟!
أخي العزيز كم أتمنى وجودك بين المصلين..!!
أخي العزيز كم أتمنى أن نذهب مع بعضنا البعض للصلاة..!!
أخي العزيز كما أتمنى رؤيتك في المسجد..!!
أخي العزيز لا تحرم نفسك الأجر العظيم..!!
أجر الذهاب إلى المسجد والصلاة فيه.. هل تعلم كم الأجر الذي فيه؟؟!!
هل تعلم ما هي فوائد صلاتك في المسجد؟؟!!
أخي العزيز لماذا إذا نصحتك تجاهلت نصيحتي..؟!