والذي يراجع التاريخ بعد ذلك - منذ اليوم الذي استعلن فيه الإسلام بالمدينة ، وقامت له دولة - إلى اللحظة الحاضرة ، يدرك كذلك مدى الإصرار العنيد على الوقوف لهذا الدين وإرادة محوه من الوجود!
ولقد استخدمت الصهيونية والصليبية في العصر الحديث من ألوان الحرب ، والكيد والمكر أضعاف ما استخدمته طوال القرون الماضية . . وهي في هذه الفترة بالذات تعالج إزالة هذا الدين بجملته؛ وتحسب أنها تدخل معه في المعركة الأخيرة الفاصلة . . لذلك تستخدم جميع الأساليب التي جربتها في القرون الماضية كلها - بالإضافة إلى ما استحدثته منها - جملة واحدة!
ذلك في الوقت الذي يقوم ممن ينتسبون إلى الإسلام ناس يدعون في غرارة ساذجة إلى التعاون بين أهل الإسلام وأهل بقية الأديان للوقوف في وجه تيار المادية والإلحاد! أهل بقية الأديان الذين يذبحون من ينتسبون إلى الإسلام في كل مكان؛ ويشنون عليهم حربًا تتسم بكل بشاعة الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش في الأندلس - سواء عن طريق أجهزتهم المباشرة في المستعمرات في آسيا وإفريقية أو عن طريق الأوضاع التي يقيمونها ويسندونها في البلاد ( المستقلة! ) لتحل محل الإسلام عقائد ومذاهب علمانية! تنكر « الغيبية » لأنها « علمية » ! و « تطوّر » الأخلاق لتصبح هي أخلاق البهائم التي ينزو بعضها على بعض في « حرية! » ، و « تطوّر » كذلك الفقه الإسلامي ، وتقيم له مؤتمرات المستشرقين لتطويره .
كيما يحل الربا والاختلاط الجنسي وسائر المحرمات الإسلامية!!
إنها المعركة الوحشية الضارية يخوضها أهل الكتاب مع هذا الدين ، الذي بشروا به وبنبيه منذ ذلك الأمد البعيد . ولكنهم تلقوه هذا التلقي اللئيم الخبيث العنيد! (1)
نجاة الذين ينهون عن السوء
قال تعالى: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (165) } ( الأعراف)
بين - سبحانه - عاقبة كل من الفرقة الناهية والعاصية فقال تعالى { فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السواء وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } أى: فلما لج الظالمون في طغيانهم ، وعموا وصموا عن النصيحة أنجينا الناصحين ، وأخذنا العادين بعذاب شديد لا رحمة فيه بسبب خروجهم على أوامر الله .
والآية الكريمة صرحية في بيان أن الذين أخذوا بالعذاب البئيس هم الظالمون المعتدون وأن الذين نجوا هم الناهون عن السوء ، أما الفرقة الثالثة التى لامت الناهين عن السوء على وعظهم للمعتدين ، فقد سكتت عنها .
ويرى بعض المفسرين: أنها لم تنج ، لأنها لم تنه عن المنكر . فضلا عن أنها لامت الناصحين لغيرهم .
ويرى جمهور المفسرين: أنها نجت ، لأنها كانت كارهة لما فعله العادون في السبت ولم ترتكب شيئًا مما ارتكبوه ، وإذا كانت قد سكتت عن النصيحة ، فلأنها كانت يائسة من صلاح المعتدين ، ومقتنعة بأن القوم قد أصبحوا محل سخط الله وعذابه ، فلا جدوى وراء وعظهم ، وإلى هذا الرأى ذهب صاحب الكشاف وغيره .
قال صاحب الكشاف: ( فإن قلت: الأمة الذين قالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا - من أى الفريقين هم؟ أمن فريق الناجين أم من فريق المعذبين .
قلت من فريق الناجين ، لأنهم من فريق الناهين ، غرضًا صحيحًا لعلمهم بحال القوم . وإذا علم الناهى حال المنهى ، وأن النهى لا يؤثر فيه ، سقط عنه النهى ، وربما وجب الترك لدخوله في باب العبث ، ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على المآصر والجلادين المرتبين للتعذيب ، لتعظهم وتكفهم عما هم فيه ، كان ذلك عبثًا منك ، ولم يكن إلا سببًا للتلهى بك ، أما الآخرون فإنهم لم يعرضوا عنهم ، إما لأن يأسهم لم يستحكم كما استحكم يأس الأولين ، ولم يخبرهم كما خبروهم . أو لفرط حرصهم وجدهم في أمرهم ، كما وصف الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام في قوله { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفًا } وقال الإمام ابن كثير: ( ويروى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أنه قال عندما سئل عن مصير الفرقة اللائمة ، ما أدرى ما فعل بهم ، ثم صار إلى نجاتهم لما قال له غلامه عكرمة: ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم فقال { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا } قال عكرمة: فلم أزل به حتى عرفته أنهم نجوا فكسانى حلة ) .
والذى نرجحه أن مصير هذه الفرقة مفوض إلى الله ، لأنه لم يرد نص صحيح في شأنها ، فإن الآية الكريمة قد ذكرت صراحة عاقبة كل من الناصحين والعادين ولم تذكر مصير الفرقة اللائمة للناصحين ولعل ذلك مرجعه إلى أنها وقفت من العادين ولم تذكر في السبت موقفًا سلبيًا استحقت معه الإهمال ، إن لم تكن بسببه أهلا للمؤاخذة . (2)
(1) - في ظلال القرآن - (ج 3 / ص 300)
(2) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1718)