الصفحة 23 من 3812

وقوله { وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى مَعَ القوم الظالمين } أى: وإما ينسينك الشيطان ما أمرت به من ترك مجالسة الخائضين على سبيل الفرض والتقدير فلا تقعد بعد التذكر مع القوم الظالمين لأنفسهم بتكذيب آيات ربهم والاستهزاء بها ، وقد جاء الشرط الأول بإذا لأن خوضهم في الآيات محقق ، وجاء الشرط الثانى بأن لأن إنساء الشيطان له قد يقع وقد لا يقع .

فإن قيل: النسيان فعل الله فلم أضيف إلى الشيطان؟ أجيب بأن السبب من الشيطان وهو الوسوسة والإعراض عن الذكر فأضيف إليه لذلك ، كما أن من ألقى غيره في النار فمات يقال: إنه القاتل وإن كان الإحراق فعل الله .

هذا وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أحكاما من أهمها ما يأتى:

1 -وجوب الإعراض عن مجالسة المستهزئين بآيات الله أو برسله ، وأن لا يقعد لأن في القعود إظهار عدم الكراهة ، وذلك لأن التكليف عام لنا ولرسوله صلى الله عليه وسلم .

قال القرطبى: من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجرته ، مؤمنا كان أو كافرًا ، وقد منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو ودخول كنائسهم وبيعهم ، وكذلك منعوا مجالسة الكفار وأهل البدع . فقد قال بعض أهل البدع لأبى عمران النخعى: اسمع منى كلمة فأعرض عنه وقال: ولا نصف كلمة .

وروى الحاكم عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من وقر صاحب بدعة فقد أعانه على هدم الإسلام".

وقال صاحب المنار: وسبب هذا النهى أن الإقبال على الخائضين والقعود معهم أقل ما فيه أنه إقرار لهم على خوضهم وإغراء لهم بالتمادى فيه وأكبره أنه رضاء به ومشاركة فيه والمشاركة في الكفر والاستهزاء كفر ظاهر لا يقترفه باختياره إلا منافق مراء أو كافر مجاهر قال - تعالى - { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكتاب أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ الله يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا } 2 - جواز مجالسة الكفار مع عدم الخوض . لأنه إنما أمرنا بالإعراض في حالة الخوض ، وأيضا فقد قال - تعالى - { حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } .

قال بعض العلماء:"حتى غاية الإعراض ، لأنه إعراض فيه توقيف دعوتهم زمانا أوجبته رعاية المصلحة ، فإذا زال موجب ذلك عادت محاولة هدايتهم وإرشادهم إلى أصلها لأنها تمحضت للمصحلة".

3 -استدل بهذه الآية على أن الناسى غير مكلف ، وأنه إذا ذكر عاد إليه التكليف فيعفى عما ارتكبه حال نسيانه ففى الحديث الشريف"إن الله رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". رواه الطبرانى عن ثوبان مرفوعا وإسناده صحيح .

4 -قال القرطبى: قال بعضهم إن الخطاب في الآية للنبى صلى الله عليه وسلم والمقصود أمته ، ذهبوا إلى ذلك لتبرئته صلى الله عليه وسلم من النسيان .

وقال آخرون إن الخطاب له صلى الله عليه وسلم والنسيان جائز عليه فقد قال صلى الله عليه وسلم خبرا عن نفسه:"إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكرونى"فأضاف النسيان إليه . واختلفوا بعد جواز النسيان عليه هل يكون فيما طريقه البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع أولا؟ فذهب إلى الأول - فيما ذكره القاضى عياض - عامة العلماء والأئمة كما هو ظاهر القرآن والأحاديث ، لكن اشترط الأئمة أن الله - تعالى - ينبهه على ذلك ولا يقره عليه . ومنعت طائفة من العلماء السهو عليه في الأفعال البلاغية والعبادات الشرعية كما منعوه اتفاقا في الأقوال البلاغية"."

وقال الآلوسى:"وأنا أرى أن محل الخلاف النسيان الذى لا يكون منشؤه اشتغال السر بالوساوس والخطرات الشيطانية فإن ذلك مما لا يرتاب مؤمن في استحالته على رسول الله صلى الله عليه وسلم".

ثم بين - سبحانه - أنه لا تبعة على المؤمنين ما داموا قد أعرضوا عن مجلس الخائضين فقال - تعالى - { وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ولكن ذكرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } .

أى: وما على الذين يتقون الله شىء من حساب الخائضين على ما ارتكبوا من جرائم وآثام ما داموا قد أعرضوا عنهم ، ولكن عليهم أن يعرضوا عنهم ويذكروهم ويمنعوهم عما هم فيه من القبائح بما أمكن من العظة والتذكير لعل أولئك الخائضين يجتنبون ذلك ، ويتقون الله في أقوالهم وأفعالهم .

وعليه يكون الضمير في قوله: { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } يعود على الخائضين .

وقيل يجوز أن يكون الضمير في قوله: { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } للذين اتقوا أى: عليهم أى يذكروا أولئك الخائضين ، لأن هذا التذكير يجعل المتقين يزدادون إيمانا على إيمانهم ، ويثبتون على تقواهم .

روى البغوى عن ابن عباس قال: لما نزلت: { وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } . . إلخ قال المسلمون: كيف نقعد في المسجد الحرام ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبدًا؟ فأنزل الله - تعالى - { وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ } يعنى إذا قمتم عنهم فما عليكم تبعة ما يقولون ، وما عليكم نصيب من إثم ذلك الخوض .

قال الجمل: قوله ( ولكن ذكرى ) فيه أربعة أوجه:

أحدها: أنها منصوبة على المصدر بفعل مضمر وقدره بعضهم أمرًا ، أى: ولكن ذكروهم ذكرى ، وبعضهم قدره خبرًا . أى: ولكن يذكرونهم ذكرى .

والثانى: أنه مبتدأ خبره محذوف: أى: ولكن عليكم ذكرى ، أى: تذكيرهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت