فاتجه فريق منهم إلى أن جميع القراءات الأربع عشرة صحيحة هكذا بإطلاق الحكم بالصحة. واتجه فريق آخر إلى أن الأربع الزائدة على العشر شاذة ، هكذا بإطلاق الحكم بالشذوذ كذلك [1]
وتوسط بين هذين الفريقين فريق ثالث ، نظروا إلى القراءات لا من حيث أعدادها ولا أشخاصها ، ولكن من حيث هى قواعد ومبادئ وضوابط ، ويعنون ضوابط القراءة المقبولة الثلاثة وهى:
1-صحة السند.
2-موافقة اللغة ولو بوجه.
3-موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا.
فحيث تحققت هذه الضوابط في قراءة فهى صحيحة مقبولة ، وإلا كانت مردودة أو شاذة بقطع النظر عمن نسبت إليه هذه القراءة.
المبحث الثالث
أسباب الخلاف بين المفسرين
وكون اختلاف القراءات واحدًا منها
إن الذى يقرأ كتب التفسير ، خاصة الكتب التى عنيت بنقل أقوال الصحابة والتابعين ، وهى التى نسميها كتب التفسير بالمأثور كجامع البيان للطبرى وغيره ، الذى يقرأ في هذه الكتب يأخذه العجب حين يقف على هذا الكم الهائل من الأقوال حول تفسير الآيات القرآنية ، ولابد من أن تحيك بصدره هذه الأسئلة:
لماذا كل هذه الآراء المتعددة ؟ لماذا لم يجمعوا على رأى واحد في التفسير ؟ وهل هذه الأقوال متعارضة أم يمكن الجمع بينها ؟ وأهم سؤال في ذلك هو: ما السبب في هذا الاختلاف ؟
أقول: لعل هذا العجب أن يزول حين نطلع على أسباب الخلاف بين المفسرين .
ولقد ناقش ابن تيمية - رحمه الله - في مقدمته في أصول التفسير ، مسألة الحلاف بين المفسرين ، وكون اختلاف القراءات واحدًا منها ، مفرقًا في ذلك بين تفسير السلف"المأثور"وبين تفسير غيرهم .
(1) قال الدمياطى: أخذنا عن شيوخنا أن الأربعة - بعد العشرة - وهم ابن محيصن واليزيدى والحسن والأعمش قراءتهم شاذة اتفاقًا. أنظر: الإتحاف - ص9.