هو المضي إليها، و السعي الذي زجر النبي صلى الله عليه و سلم عنه إتيان الصلاة هو الهرولة و سرعة المشي. فاسم السعي واقع على فعلين، أحدهما مأمور، و الآخر منهي عنه. و سأبين إن شاء الله تعالى هذا الجنس في كتاب معاني القرآن إن وفق الله لذلك.
مثال آخر:
ج3 ص242 باب الرخصة في المباشر التي هي دون الجماع للصائم، و الدليل على أن اسم الواحد قد يقع على فعلين، أحدهما مباح، و الآخر محظور، إذ اسم المباشر قد أوقعه الله في نص كتابه على الجماع،، و دل الكتاب على أن الجماع في الصوم محظور. قال المصطفى صلى الله عليه و سلم: إن الجماع يفطر الصائم. و النبي المصطفى صلى الله عليه و سلم قد دل بفعله على أن المباشرة التي هي دون الجماع مباحة في الصوم غير مكروهة.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، حدثنا بشر ـ يعني ابن الفضل ـ حدثنا ابن عون، عن إبرهيم، عن الأسود، قال:
انطلقت أنا و مسروق إلى أم المؤمنين نسألها عن المباشرة. فاستحيينا، قال: قلت: جئنا نسأل حاجة، فاستحيينا. فقالت: ما هي؟ سلا عما بدا لكما. قال، قلنا: كان النبي صلى الله عليه و سلم يباشر و هو صائم؟ قالت: قد كان يفعل، و لكنه كان أملك لإربه منكم.
قال أبو بكر: إنما خاطب الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه و سلم و أمته بلغة العرب أوسع اللغات كلها، التي لا يحيط بعلم جميعها أحد غير نبي، و العرب في لغاتها توقع اسم الواحد على شيئين، و على أشياء ذوات عدد، و قد يسمى الشيء الواحد بأسماء، و قد يزجر الله عن الشيء، و يبيح شيئًا آخر غير الشيء المزجور عنه، و وقع اسم الواحد على الشيئين جميعًا على المباح و على المحظور، و كذلك قد يبيح الشيء المزجور عنه، و وقع اسم الواحد عليهما جميعًا، فيكون اسم الواحد واقعًا على الشيئين المختلفين، أحدهما مباح، و الآخر محظور، و اسمهما واحد. فلم يفهم هذا من سفه لسان العرب، و حمل المعنى في ذلك على شيء واحد، يوهم أن الأمرين متضادان، إذ أبيح فعل مسمى باسم، و حظر فعل تسمى بذلك الاسم سواء. فمن كان هذا مبلغه من العلم، لم يحل له تعاطي الفقه و لا الفتيا، و وجب عليه التعلم أو السكت إلى أن يدرك من العلم مايجور معه الفتيا وتعاطى العلم. و من فهم هذه الصناعة علم أن ما أبيح غير ما حظر، و إن كان اسم الواحد قد يقع على المباح و على المحظور جميعًا فمن الجنس الذي ذكرت أن الله عز وجل دل في كتابه أن مباشرة النساء في نهار الصوم غير جائز بقوله تبارك و تعالى:"فالآن باشروهن و ابتغوا ما كتب الله لكم، و كلوا و اشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ثم أتموا الصيام إلى الليل"فأباح الله عز و جل مباشرة النساء و الأكل و الشرب بالليل، ثم أمرنا بإتمام الصيام إلى الليل على أن المباشرة المباحة بالليل المقرونة إلى الأكل و الشرب هي الجماع المفطر للصائم، و أباح الله بفعل النبي المصطفى صلى الله عليه و سلم المباشرة التي هي دون الجماع في الصيام، إذ كان يباشر و هو صائم. و المباشر التي ذكر الله في كتابه أنها تفطر الصائم هي غير المباشرة التي كان النبي صلى الله عليه و سلم يباشرها في صيامه.
و المباشرة اسم واحد واقع على فعلين، إحداهما مباحة في نهار الصوم، و الأخرى محظورة في نهار الصوم مفطرة للصائم.
و من هذا الجنس قوله عز و جل"يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع"فأمر ربنا جل و علا بالسعي إلى الجمعة، و النبي المصطفى صلى الله عليه و سلم قال: إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها و أنتم تسعون، إيتوها تمشون و عليكم السكينة. فاسم السعي يقع على الهرولة، و شدة المشي و المضي إلى الموضع. فالسعي الذي أمر به أن يسعى إلى الجمعة هو المضي إليها، و السعي الذي زجر النبي صلى الله عليه و سلم عنه إتيان الصلاة هو الهرولة و