الاستشراق ما دام العرب والمسلمون لم يقوموا باستكشاف ماضيهم بأنفسهم باتخاذ المناهج المعترف بها عالميا"، وهو ما يعنى أنه لا بد أن نكون نسخة أخرى من المستشرقين، وإلا فليقل لى أحد كيف نصنع ما يطالبنا به جعيط، وبالشرط الذى اشترطه، إلا أن نكون نسخة أخرى منهم؟ أليسوا هم واضعى المناهج التى يصفها بـ"المناهج المعترف بها عالميا"؟ ويزيد الطينَ بلّةً قوله قبيل هذا عن العرب والمسلمين إنهم"أناس لهم عادةً رؤية مسبقة مستقاة من التربية الدينية ومن الجهاز الثقافى لكل فرد" (ص7) ، بما يعنى أن هذه سمة من سماتنا نتميز بها عن غيرنا، وبالذات الأوربيون الموضوعيون المجردون من مثل تلك التأثيرات، مع أنه سرعان ما يقول عقب هذا إن الرأى العام الغربى، ومعه بعض المستشرقين، متأثر بتراث سلبى عن الرسول. إلا أنه يصف الغربيين رغم ذلك، وفى نفس الموضع، بأنهم هم الذين أسسوا العلم الحديث في كل مكان وتقدم على أيديهم علم التاريخ تقدما بالغا. ثم تأخذه حالة الجلالة التى تعترى بعض الدراويش فيعلن بملء فيه، وبكل جسارة"هاجيوغرافيكالية"تليق به وبعبقريته الاستبصارية، أن أوربا في العشرين سنة التى سبقت بداية القرن العشرين وتلك التى تلتها قد تم لها الانفتاح على كل شىء في الحياة واستكشاف كل شىء تقريبا في المعرفة والفن (ص10) . ولم يفته، وهو يتطوح من الوجد"الهاجيوغرافيكالى"كأى درويش أصيل، أن يسمى تلك الفترة بـ"اللحظة المذهلة في الحقيقة"! وهو كلامٌ جنونىٌّ بكل يقين، إذ معناه أن البشرية إنما تلعب الآن في الوقت الضائع وأن حَكَم المباراة سيطلق صفارة النهاية بين لحظة وأخرى لينفض السامر ويذهب كل حى إلى حال سبيله. ترى أين ينبغى أن نضع هذا الكلام"الهاجيوغرافيكالى"؟ الحق أن مكانه هو أقرب مزبلة!"
وبعد هذا كله نجده ينتقد كثيرا من كتابات المستشرقين فيرمى بعضها بأنه ليس من العلم في شىء (ص11) ، وينبز بعضها الآخر بالعدوانية (ص13) ، ويحكم على بعض ثالث بأنه لا يمثل"سوى عدم الشعور بالمسؤولية العلمية"والانفلات من العقال والابتعاد عن الصرامة المنهجية التاريخية (ص14) ، وهو ما يحير الباحث المسكين من أمثالنا غير"الهاجيوغرافيكاليين"فلا ندرى أنغلق الشباك الاستشراقى أم نفتحه. حيرك الله يا دكتور جعيط كما حيرتنا ودوختنا وراءك"السبع دوخات"دون أن تستقر بنا على حل!
وعودةً إلى ما زعمه عن الآية المذكورة نقول إن المضحك في الأمر هو ترديده لزعم عدم اتساق عبارة الشورى مع سياقها بثقة من يفقه العربية ويستطيع تذوق أساليبها فيعرف ما يتسق منها وما لا يتسق، على حين أنه في الحقيقة أبعد ما يكون عن ذلك تمام البعد. عشنا وشفنا واحدا ركيك العبارة كهشام جعيط يفتى في القرآن فينفى من نصوصه ويثبت، وعنده أم الكتاب. فسبحان أبى جهل! يا رجل، عيبٌ ما تفعل. اذهب أولا فتعلم لغة القرآن، ثم تعال بعد ذلك واجلس منه مجلس التلميذ"الذكى"