الواقع الفعلى إلا العرب. أى أن رسالته في الحقيقة رسالة وطنية رغم كل شىء (ص287 - 288) . لكن المسلمين فيما بعد، حين رَأَوُا انتشار الإسلام في البلاد المختلفة خارج الجزيرة، تبينوا أن النبى قد بُعِث للناس كافة كما أراد القرآن (ج1/ ص106) . أى أن عالمية الإسلام هى من اختراع المسلمين.
وهنا أحب أن أناقش قضية أثارها الدكتور جعيط في مقدمة الجزء الثانى من كتابه الذى نحن بصدده، وهى عقيدة المؤرخ الدينية، إذ ينصح المؤرخين المسلمين، متى بدأوا البحث في أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أن يضعوا عقائدهم الدينية"بين قوسين"على حد تعبيره، بمعنى أن يَنْسَوْا إيمانهم بنبوته ويركزوا فقط على ما تقودهم إليه أبحاثهم. ذلك أن التاريخ"علم وضعى وأرضى يتناول فعاليات الأفراد والمجتمعات البشرية في الماضى، ويخرج عن دائرة الإيمان والمعتقد"، و"العلم يحاول أن يفسر الأمور لا أن يحكم عليها"، وهو يتناول"الحقائق الدينية بالوصف والتحليل، بالبحث في التأثرات والتطورات، ويضعها في لحظتها التاريخية من دون الالتزام بالمعطَى الإيمانى" (ص5 - 6) . ويُفْهَم من هذا بكل وضوح أن المؤمن بنبوة محمد وأنه رسول من عند الله أنزل عليه القرآن وكلفه بتبليغه للناس كافة يمكن أن يقول في محمد كلاما آخر مختلفا عن هذا تماما ويظل مع ذلك مسلما يؤمن بنبوته بالمعنى الذى شرحناه هنا.
ولا أظن أن ثمة عاقلا يفهم طبيعة الإسلام يمكن أن يقول بهذا، إذ الإيمان بالإسلام لا يكون إلا بالعقل، فمتى قام في العقل رفض لنبوة محمد لم يعد ثم موضع للقول بأن صاحب هذا العقل لا يزال مسلما. قد يقول مثل هذا الشخص إنه يحترم محمدا وإنه يرى فيه مصلحا عظيما أو شيئا من هذا القبيل، وهذا كله على العين والرأس، ومن حق صاحبه أن يقوله ولا نُكْرِهه على خلاف ما يعتقد، وإن لم يمنعنا ذلك من مناقشته ومخالفته، بل وتسخيفه إن وجدنا ما يدعو إلى هذا، بالضبط مثلما أعطى هو لنفسه الحق في أن يقول في محمد ومهمته كلاما يخالف ما نؤمن نحن به. لكن هذا شىء، وزعمه أو زعم من يرافئونه على هذا الكلام أنه لا يزال مسلما شىء آخر. الواقع أن صاحب هذا الكلام إما أن يكون كذابا أو منافقا أو مصابا بانفصام في الشخصية أو حائرا يمزقه الشك ولا يستطيع أن يرسو على بَرٍّ مريح.
لقد بحثت هذه القضية سنة 1986م في كتابى عن"معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين"، وكان طه حسين قد قال قولا كالذى قاله جعيط، إذ نادى بأن على من يريد دراسة الأدب العربى التجرد من دينه وكلام آخر يدور في نفس المدار، فقلت إن هذا معناه شىء واحد هو أن الإسلام يناقض البحث العلمى، فكيف يجمع طه حسين بين الإيمان بالإسلام والإيمان بالمنهج العلمى، وهو يرى أنهما متناقضان؟ إن عليه أن يختار واحدا منهما ما دام الأمر كذلك، لأن من المستحيل، إلا على ذى عقل مضطرب أو مريض بانفصام في شخصيته، أن يجمع بينهما. إن طه حسين يعلن أنه، في شكه فى