سيأتى بما لم يأت به الأوائل ولا الأواخر ولا الأواسط. طبعا لا يمكن أن يأتى عاقل يحترم نفسه ويحترم المنهج العلمى بمثل ما أتى به هشام جعيط. ذلك أن ما أتى به هشام جعيط ليس علما ولا منهجية، بل تطاولا وغلظ وجه! فمثل هذا الشخص حين يقال له: ما الدليل على أن رقم الأربعين رقم سحرى؟ أو من قال لك إن العمر هو الجيل؟ أو على أى أساس قلت إن الجيل هو ثلاثون عاما أو أقل؟ أو ما وجه الخطإ في قراءة الآية؟ فإنه لا يقدم دليلا على ما يزعم! إنما هو كلام، والسلام، وكأننا في مغالبة ومغايظة. وما هكذا يكون العلم ولا المنهجية التى يفلقنا هو وأمثاله بالثرثرة الفارغة المتنطعة حولها. وعلى هذا النحو لا يمكنك أن تمسك بشىء مما يقوله هشام جعيط لأنك تتعامل مع زئبقٍ رجراجٍ لا يستقر على حال!
وقد رجعت إلى"لسان العرب"، الذى اعتدَّه هو نفسه أحد مراجع السيرة المعتمدة (ص15) ، لعلى أجد أن كلمة"العمر"تعنى الجيل من الناس كما يزعم صاحبنا"الهاجيوغرافيكالى"ولو على سبيل المجاز فلم أجد شيئا من ذلك التنطع السمج. وأزيده من الشعر بيتا فأقول له إن كلمة"جيل"لا تدل في لغة القدماء على ما يقول، بل"الجيل"عندهم هو الصنف من البشر: فالصينيون مثلا جيل، والعرب جيل، والروم جيل، والترك جيل، أو هو كل قوم لهم لغة خاصة بهم. وواضح أن"الجيل"إنما يعنى شيئا قريبا من الشعب أو الأمة كما نعرفهما اليوم. ومعنى هذا أن الله قد ضرب على الدكتور جعيط الأسداد من كل جانب. إلا أننى لا أنتظر منه أن يفىء إلى الحق، وإن لم يكن ذلك على الله ببعيد، والله المستعان على كل حال.
ترى ما مصلحة المسلمين في أن يزعموا كلهم على بَكْرة أبيهم أن نبيهم إنما بُعِثَ في الأربعين إذا كان قد بُعِث في الثلاثين؟ أو ترى ما الخوف الذى دفعهم جميعا من هاشميين وأمويين ومنافقين ومرتدين، ومن مكيين ومدنيين وطائفيين ويمنيين ونجديين وبحرانيين وعمانيين، ومن عرب وغير عرب، على مر القرون إلى تغيير تاريخ البعث الحقيقى؟ ثم إن جعيط قال إن سن الثلاثين هى كذلك ذات طابع سحرى، ومع ذلك يقول إنه عليه السلام قد بُعِثَ في سن الثلاثين. فلماذا كانت حلوةً منه، ومُرّةً من الأقدمين؟ العلة تكمن فيما قلته قبل قليل من أن مراده هو خلخلة الثقة ونسف الاطمئنان إلى أى شىء يتعلق بديننا ورسولنا وقرآننا وتراثنا، وكل شىء بعد ذلك يهون. ثم لماذا ينبغى ألا يولد النبى في عام الفيل كما يقول؟ أهو ضد قوانين الكون؟ ألا يرى القارئ سخف منطق هذا الرجل؟ والمضحك العجيب أن ولادة النبى سنة 570م لا تجعل مجيئه إلى الدنيا متوافقا وعام الفيل حسب تحديده لتاريخ ذلك العام، الذى أكد أنه حل قبل ذلك بثلاثة وعشرين عاما، ومع هذا يصر على أنه صلى الله عليه وسلم لم يولد في سنة 570م. أى أنه لن يرضى عن شىء ولن يسلّم بأى شىء مما أجمعت عليه الروايات حتى لو انطبقت السماء على الأرض! كذلك من أين له بأن سن الأربعين كانت في ذلك