أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [1] وبه أنزل كتابه العظيم وهو القرآن الكريم تبيانًا لكل شيء وسماه نورًا لتوقف الهداية عليه فقال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [2] وسماه روحًا لتوقف الحياة الحقيقية عليه فقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [3] .
ومعنى الإسلام الاستسلام لله في القول والاعتقاد والعمل والحب والبغض والفعل والترك، فلا يستقيم إيمان بدون عمل، ولا ينفع عمل بدون إيمان وعقيدة صحيحة، كما أن العمل لا يقبل إلا إذا كان صالحًا خالصًا لله جاريًا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسس التي بني عليها هذا الدين بقوله: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام» [4] وهذه الأسس متلازمة تشكل وحدة متماسكة وقد تضمنت قول اللسان واعتقاد القلب وعمل الجوارح كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} فدلت هذه السورة الكريمة على وجوب تعلم العلم والإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر عليه والصبر على الطاعات بعدم تركها والصبر على المعاصي بعدم فعلها والصبر على أقدار الله المؤلمة من المرض والفقر والجوع والخوف والمصائب وعدم تسخطها فهذه السورة ميزان للمؤمن يزن بها نفسه فيعرف بها ربحه من خسرانه وسعادته من شقاوته ولهذا قال فيها الإمام الشافعي لو فكر الناس فيها لكفتهم.#
فحقيقة الدين الإسلامي أنه إيمان بالله ورسوله وتوحيد وإخلاص لله في القول والعمل، وصلاة وزكاة وصوم وحج، وفعل للواجبات وترك للمحرمات وامتثال للأوامر واجتناب للنواهي ومحبة لله ورسوله وعباده المؤمنين وبغض لما يبغضه الله ورسوله [5] فالحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان وأحب الأعمال إلى الله. وقد أخبر الله أنه لا يجتمع إيمان بالله ورسوله ومحبة لمن عصى الله ورسوله ولو كان من أقرب الناس كالأب والابن والأخ والعشيرة. قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [6] .
ويمتاز هذا الدين بالكمال والشمول والصلاح لكل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وبأنه يدعو إلى كل رقي وتقدم صحيح، وفيه أحل الله الطيبات النافعة وحرم الخبائث الضارة، وأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وأمر بالتعاون على البر والتقوى ونهى عن الإثم والعدوان، وأمر بالصدق والعدل والأمانة ونهى عن الكذب والجور والخيانة، فأمر بكل معروف ونهى عن كل منكر، فلم يترك هذا الدين خيرًا إلا أمر به وحث عليه ولا شرًا إلا نهى عنه وحذر منه، وقد أكمله الله لعباده ورضيه لهم وهو صراطه المستقيم الموصل إلى رضاه وجنته والمنجي من عذابه وسخطه.
ثم إن للإسلام نواقض من أعظمها الشرك بالله شيئًا في القول أو العمل أو الاعتقاد كدعاء غير الله أو الذبح لغيره أو التوكل على غيره في جلب نفع أو دفع ضر أو حصول نصر أو في غير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله سواء كان ذلك نبيًا أو وليًا أو ملكًا أو شمسًا أو قمرًا أو شجرًا أو
(1) سورة النحل (الآية: 36) .
(2) سورة النساء (الآية: 174) .
(3) سورة الشورى (الآية: 52) .
(4) رواه البخاري ومسلم.
(5) من الكفر الفسوق والمعاصي.
(6) سورة المجادلة (الآية: 22) .