يلحق بذلك وجود العداوة المانعة من اجتماع الجميع في محل واحد، بل لو قيل إن هذا أولى لجواز التعدد لما بعد، والدليل على وجوب اتحاد الجامع فعله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده فإنهم لم يقيموا سوى جمعة واحدة، و؛ لأن الاقتصار على واحدة أفضى إلى، المقصود من إظهار شعار الاجتماع واتفاق الكلمة. قاله الرملي الشافعي رضي الله عنه، ومذهبنا لا يخالفه في هذا، وشروط الوجوب الحرية والذكورة والتكليف والاستيطان، وهو الإقامة على قصد التأبيد لا الإقامة المجردة فلا تجب بها إلا تبعا، والقدرة على الحضور من غير مشقة شديدة فلا تجب على مريض لا يستطيع.
قال خليل: ولزمت المكلف الحر الذكر بلا عذر المتوطن وإن بقرية نائية بكفرسخ من المنار، وقولنا في شرط الصحة أنه يكفي حضور اثني عشر إلخ لا ينافي اشتراط كثرة الجماعة في محل الجمعة بحيث يمكنهم الإقامة على التأبيد مع الأمن والقدرة على الذب عن أنفسهم؛ لأن وجود من تتقرى به القرية شرط في وجوب مشروعيتها على أهل ذلك الموضع ويطالبون بحضورها، فإن لم يحضر منهم للخطبة والصلاة إلا اثني عشر غير الإمام صحت، لا فرق بين الجمعة الأولى وغيرها بشرط صحة صلاة جميعهم، لا إن أحدث واحد من الاثني عشر قبل السلام، أو كان أحدهم شافعيا لم يقلد مالكا في صلاتها،
فإن قيل: كيف يتوصل إلى العلم بكون تلك الجماعة الكائنة في البلد تتقرى بهم القرية دائما مع أن العلم بالأمر المستقبل مختص بالله تعالى؟ فالجواب أن الشرط كونها تتقرى بها القرية في أزمنة المستقبل بحسب اعتقادنا والعادة وإن كان العقل يجوز تخلف ذلك فافهم، واعلم أن الاستيطان إنما هو شرط في الجماعة لا في الإمام؛ لأنه يكفي فيه الإقامة؛ لأنه فرع الخليفة، والخليفة الذي هو السلطان تصح إمامته في الجمعة ولو لم يكن مستوطنا بل ولو كان مسافرا، ولا يقال: إذا كان مقيسا عليه تصح إمامته ولو لم يكن مقيما؛ لأنا نقول: شأن الفرع أن يكون أحط مرتبة من أصله، وبنوا على ذلك مسألة حسنة وهي صحة إمامة مسافر نوى إقامة أربعة أيام صحاح في قرية فإنه يصح أن يكون خطيبا فيها، ولا يصح أن يكون بعض الاثني عشر لكي تصح خطبته في تلك الحالة إلا الذي لم تكن نيته الإقامة لأجل الخطبة، وبنوا عليه أيضا صحة إمامة من قدم من بلد إلى بلد أخرى وبين البلدين أقل من كفرسخ من المنار أو قدر فرسخ، وأما لو كان خارجا عن كفرسخ فلا تصح إمامته إلا إذا نوى إقامة أربعة أيام على ظاهر المذهب، خلافا لمن قال بصحة إمامته حيث كان بين البلدين أقل من مسافة القصر ولو لم ينو الإقامة.