ومثال المتعدية: الإنعام والكرم، وبهذا علمت أنه ليس المراد تعدي ذوات الكمالات لأنه لا شيء من ذواتها يجاوز محله، وليس المراد تعدي الأثر أيضا لأن العلم والقدرة يتعدى أثرهما إلى الغير مع حكمنا عليهما بالقصور، وإنما المراد بالتعدي توقف اتصاف الموصوف به على وصول الأثر للغير، والقاصرة ما يصح اتصاف موصوفه به ولو لم يتعد أثره للغير، وإن كان يتعدى نحو العلم والشجاعة، فإنه يصح الوصف بهما ولو لم يتعد أثرهما للغير، لأن العلم يظهر بنحو السؤال مثلا، والشجاعة بنحو الإقدام على الحروب.
والحمد يتوقف على خمسة أمور: محمود به ومحمود عليه وحامد ومحمود وما يدل على اتصاف المحمود بالمحمودية. فالمحمودية صفة تظهر اتصاف شيء بها على وجه مخصوص، ويجب أن تكون صفة كمال شرعا عند صاحب العقل السليم، ولا يشترط في المحمودية به كونه اختياريا، فلو وصفه بالحسن الذاتي مع بقية المعتبرات في الحمد كان حمدا وأما الأمر الثاني، وهو المحمود عليه فهو ما كان الوصف بالجميل بإزائه ومقابلته، ويجب أن يكون كمالا وأن يكون اختياريا ولو حكما ليشمل حمد الله تعالى على صفاته.
وأما الأمر الثالث وهو الحامد فهو من يتحقق الحمد منه. وأما الأمر الرابع وهو المحمود فلا بد أن يكون فاعلا مختارا حقيقة أو حكما. وأما الأمر الخامس فهو ذكر ما يدل على اتصاف المحمود بالمحمودية.
وأما معناه: اصطلاحا فهو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما، والشكر لغة هو الحمد اصطلاحا، وأما الشكر اصطلاحا فهو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من سمع وبصر وغيرهما إلى ما خلق له وأعطاه لأجله، وظاهر كلام السعد في الشكر اللغوي شموله النعمة الواصلة للشاكر وغيره، وكلام الفخر الرازي في تفسير الفاتحة تقييدها بوصلها للشاكر، وأما المدح فهو لغة الثناء باللسان على الجميل مطلقا على جهة التعظيم، واصطلاحا اختصاص الممدوح بنوع من الفضائل أو الفواضل، فبين الحمد اللغوي والشكر اللغوي عموم وخصوص من وجه لصدقهما بالثناء باللسان في مقابلة إحسان، وانفراد الشكر المذكور بصدقه بغير اللسان في مقابلة إحسان، فمورد الحمد أخص فيحلم أعم، والشكر بعكسه وبينه وبين الحمد العرفي عموم وخصوص من وجه أيضا لمساواة الحمد العرفي للشكر اللغوي، وبينه وبين الشكر العرفي عموم وخصوص مطلق لشمول فيحلم الحمد لله تعالى ولغيره واختصاص متعلق الشكر به تعالى، وبينه وبين المدح اللغوي عموم وخصوص مطلق أيضا لصدق الحمد بالاختياري فقط.