الامتنان واقعًا يوم القيامة، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محالة، وهذا من أسرار الغيوب التي أطلع الله عليها نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم.
وقوله: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} وهذا أيضًا من الامتنان عليه، عليه السلام، بأن جعل له أصحابًا وأنصارًا، ثم قيل: أن المراد بهذا الوحي وحي إلهام، كما قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} الآية، وهو وحي إلهام بلا خلاف، وكما قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا} الآية، وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية {مُسْلِمُونَ} أي ألهموا ذلك، فامتثلوا ما ألهموا. قال الحسن البصري: ألهمهم الله عز وجل ذلك. وقال السدي: قذف في قلوبهم ذلك، ويحتمل أن يكون المراد وإذ أوحيت إليهم بواسطتك فدعوتهم إلى الإيمان با لله وبرسوله واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك، فقالوا {آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} .
{إِذْ قَالَ الْحَوَارِيّونَ يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبّكَ أن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مّنَ السّمَآءِ قَالَ اتّقُواْ اللّهَ أن كُنْتُم مّؤْمِنِينَ قَالُواْ نُرِيدُ أن نّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللّهُمّ رَبّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مّنَ السّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مّنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ قَالَ اللّهُ إِنّي مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنّيَ أُعَذّبُهُ عَذَابًا لاّ أُعَذّبُهُ أَحَدًا مّنَ الْعَالَمِينَ}
هذه قصة المائدة وإليها تنسب السورة، فيقال سورة المائدة، وهي مما امتنّ الله به على عبده ورسوله عيسى لما أجاب دعاءه بنزولها، فأنزل الله آية باهرة وحجة قاطعة، وقد ذكر بعض الأئمة أن قصتها ليست مذكورة في الإنجيل، ولا يعرفها النصارى إلا من المسلمين، فا لله أعلم، فقوله تعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ} وهم أتباع عيسى عليه السلام {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } هذه قراءة كثيرين، وقرأ آخرون {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} أي هل تستطيع أن تسأل ربك {أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} والمائدة هي الخوان عليه الطعام، وذكر بعضهم: أنهم إنما سألوا ذلك لحاجتهم وفقرهم، فسألوه أن ينزل عليهم مائدة كل يوم يقتاتون منها ويتقوون بها على العبادة {قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي فأجابهم المسيح عليه السلام قائلًا لهم: اتقوا الله ولا تسألوا هذا فعساه أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا على الله في طلب الرزق أن كنتم مؤمنين، {قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا} أي نحن محتاجون إلى الأكل منها، {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} إذا شاهدنا نزولها رزقًا لنا من السماء، {وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} أي ونزداد إيمانًا بك وعلمًا برسالتك {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} أي ونشهد أنها الآية من عند الله، ودلالة وحجة على نبوتك وصدق ما جئت به. {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} قال السدي: أي نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدًا نعظمه نحن ومن بعدنا، وقال سفيان الثوري: يعني يومًا نصلي فيه. وقال قتادة: أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم. وعن سلمان الفارسي: عظة لنا ولمن بعدنا. وقيل: كافية لأولنا وآخرنا { وَآيَةً مِنْكَ} أي دليلًا تنصبه على قدرتك على الأشياء وعلى إجابتك لدعوتي، فيصدقوني فيما أبلغه عنك،