فهرس الكتاب

الصفحة 857 من 2760

بالله ما اشترينا بشهادتنا ثمنًا قليلًا، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما قام رجلان من الأولياء فحلفا: بالله أن شهادة الكافرين باطلة وأنا لم نعتد، فذلك قوله تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا} يقول: أن اطلع على أن الكافرين كذبا {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} يقول: من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة، وأنا لم نعتد، فترد شهادة الكافرين وتجوز شهادة الأولياء، وهكذا روى العوفي عن ابن عباس، رواهما ابن جرير، وهكذا قرر هذا الحكم على مقتضى هذه الآية غير واحد من أئمة التابعين والسلف رضي الله عنهم، وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله. وقوله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} أي شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرضي من تحليف الشاهدين الذميين، واستريب بهما أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي. وقوله: {أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي يكون الحامل لهم على الإتيان بها على وجهها هو تعظيم الحلف بالله ومراعاة جانبه وإجلاله، والخوف من الفضيحة بين الناس أن ردت اليمين على الورثة، فيحلفون ويستحقون ما يدعون، ولهذا قال {أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} ، ثم قال {وَاتَّقُوا اللَّهَ} أي في جميع أموركم، {وَاسْمَعُوا} أي وأطيعوا، {وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} أي الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته.

{يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنّكَ أَنتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ}

هذا إخبار عما يخاطب الله به المرسلين يوم القيامة عما أجيبوا به من أممهم الذين أرسلهم إليهم، كما قال تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} ، وقال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، وقول الرسل {لا عِلْمَ لَنَا} ، قال مجاهد والحسن البصري والسدي: إنما قالوا ذلك من هول ذلك اليوم. قال عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن مجاهد {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} فيفزعون فيقولون {لا عِلْمَ لَنَا} ، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، حدثنا عنبسة قال: سمعت شيخًا يقول: سمعت الحسن يقول في قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ} الآية، قال: من هول ذلك اليوم.

وقال أسباط عن السدي {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا} ذلك أنهم نزلوا منزلًا ذهلت فيه العقول فلما سئلوا قالوا {لا عِلْمَ لَنَا} ثم نزلوا منزلًا آخر، فشهدوا على قومهم، رواه ابن جرير، ثم قال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا الحجاج عن ابن جريج قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} أي ماذا عملوا بعدكم وماذا أحدثوا بعدكم ؟ قالوا {لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} يقولون للرب عز وجل: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا، رواه ابن جرير، ثم اختاره على هذه الأقوال الثلاثة، ولا شك أنه قول حسن، وهو من باب التأدب مع الرب جل جلاله، أي لا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شيء، فنحن وإن كنا أجبنا وعرفنا من أجابنا، ولكن منهم من كنا إنما نطلع على ظاهره لا علم لنا بباطنه، وأنت العليم بكل شيء، المطلع على كل شيء، فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم، فإنك {أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} .

إِذْ قَالَ اللّهُ يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىَ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيّدتّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلّمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت