فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 876

الصبا وذلك بأن تكرر على الصبي ويكلف اعتقادها ويحسن ذلك عنده وربما يحمل عليها حب التسالم وطيب المعاشرة وربما تنشأ من الحنان ورقة الطبع فترى أقواما يصدقون بأن ذبح البهائم قبيح ويمتنعون عن أكل لحومها وما يجري هذا المجرى فالنفوس المجبولة على الحنان والرقة أطوع لقبولها

وربما يجبل على التصديق بها الاستقراء الكثير

وربما كانت القضية صادقة ولكن بشرط دقيق لا يفطن الذهن لذلك الشرط ويستمر على تكرير التصديق فيرسخ في نفسه كمن يقول مثلا التواتر لا يورث العلم لأن كل واحد من الآحاد لا يورث العلم فالمجموع لا يورث لأنه لا يزيد على الآحاد وهذا غلط لأن قول الواحد لا يوجب العلم بشرط الإنفراد وعند التواتر فات هذا الشرط فيذهل عن هذا الشرط لدقته ويصدق به مطلقا

وكذلك يصدق بقوله إن الله على كل شيء قدير مع أنه ليس قادرا على خلق ذاته وصفاته وهو شيء لكن هو قدير على كل شيء بشرط كونه ممكنا في نفسه فيذهل عن هذا الشرط ويصدق به مطلقا لكثرة تكرره على اللسان ووقع الذهول عن شرطه الدقيق

وللتصديق بالمشهورات أسباب كثيرة وهي من مثارات الغلط العظيمة وأكثر قياسات المتكلمين والفقهاء مبنية على مقدمات مشهورة يسلمونها بمجرد الشهرة فلذلك ترى أقيستهم تنتج نتائج متناقضة فيتحيرون فيها

فإن قلت: فبم يدرك الفرق بين المشهور والصادق؟

فأعرض قول القائل العدل جميل والكذب قبيح على العقل الأول الفطري الموجب للأوليات وقدر أنك لم تعاشر أحدا ولم تخالط أهل ملة ولم تأنس بمسموع ولم تتأدب باستصلاح ولم تهذب بتعليم أستاذ ومرشد وكلف نفسك أن تشكك فيه فإنك تقدر عليه وتراه متأتيا وإنما الذي يعسر عليك هذه التقديرات أنك على حالة تضادها فإن تقدير الجوع في حال الشبع عسير وكذا تقدير كل حالة أنت منفك عنها في الحال ولكن إذا تحذقت فيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت