-فمن أعظم ما يجلبه الدعاء إلى الداعي أنه سبب في تحقيق التوحيد الذي به نجاة العبد وفلاحه، لأن الداعي الذي صرف دعاءه وسؤاله لله دون غيره وأخلص له فيه، قد حقق جانبًا من جوانب التوحيد وهو أن الدعاء عبادة لله وحده لا تصرف إلا له.
ومن فضل الدعاء على الداعي، ذوق حلاوة مناجاة الله، والتذلل بين يديه. فإن في الانكسار بين يدي الرب ومناداته ودعاءه لذة لا توصف. قال ابن القيم: قال بعض العارفين: إنه لتكون لي حاجة إلى الله، فأسأله إياها، فيفتح علي من مناجاته ومعرفته، والتذلل له، والتملق بين يديه: ما أحب أن يؤخر عني قضاءها وتدوم لي تلك الحال [1] .
ومن فضل الدعاء أنه يرد القدر والقضاء لما ثبت في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال"لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر" [2] . والمعنى أن الدعاء كان سببًا في رد القضاء، فالمريض قد يدعو ربه فيشفى بسبب دعائه. وعند النظر والتأمل نجد أن الأمر يعود لقضاء الله وقدره، فهو سبحانه، الذي قدر أن فلانًا من الناس يمرض، ثم ألهمه ووفقه وقدر أنه يدعوه لرفع البلاء والضر عنه، ثم شفاه. فعاد الأمر لقضاء الله أولًا وأخرًا، وكانت صورته ظاهرًا أن الدعاء رد القضاء [3] .
(1) تهذيب مدارج السالكين. تهذيب عبد المنعم العربي. المكتبة العلمية. ص382.
(2) رواه الترمذي برقم (2139) وقال"حديث حسن غريب". وأورده الألباني في سلسلته الصحيحة برقم (154) .
(3) أنظر فتاوى الشيخ محمد بن الصالح العثيمين. جمع أشرف بن عبد المقصود (1/ 56) .