ليست مشهدًا من"فيلم"أو مسلسل تلفزيوني ، أو قصة نسجها مؤلف أو قاص ، ولكنه واقع أليم شهدته مدينة .. لشاب لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره ....
كان فتى يافعًا ممتلئًا نشاطًا وقوة ، لكنه لم يترب تربية إسلامية صحيحة ، ولم يُقَدِّر له أن يواصل تعليمه كسائر إخوانه وأترابه .. ضاقت به الحياة داخل أركان غرفته المتواضعة التي مكث فيها سنوات بلا عمل ... سئم الفراغ ، انتابته حالة نفسية حبسته بين الجدران ليل نهار ... ولضعف إيمانه أدمن المخدرات ..
وذات ليلة ... وبعد أن انتهى من سماع أغنية لمطرب مشهور ؛ خرج عن صمته ، وكسر أسوار العزلة .. وهرع إلى المطبخ ، ليشعل النيران في جسده الهزيل الذي أنهكه المخدرات ، مرددًا في هستيريا"وداعًا أيتها الحياة".
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذِّب به يوم القيامة" ((1)
حافظ الزمان (2)
إنه إمام الحفّاظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري صالح الصحيح رحمه الله تعالى الذي لم تسمع الدنيا بحافظ مثله ... لقد كانت حياته عجبًا ، ووفاته أعجب ..
ذكر الحافظ ابن حجر في الهدي أن الإمام البخاري رحمه لما رجع في آخر حياته إلى بخاري نُصبت له الخيام على فرسخ من البلد ، واستقبله أهلها استقبالًا حافلًا ، ونثروا عليه الدراهم والدنانير ، فمكث مدة مكرمًا معززًا ، ثم طلب منه والي بخاري خالد بن أحمد الذهلي الحضور إلى داره ليسمع منه ويقرأ كتاب الجامع والتاريخ على أولاده ، فقال الإمام رحمه الله لمبعوث الوالي:"قل له إني لا أذل العلم ، ولا أحمله إلى أبواب السلاطين ، فإن كانت له حاجة في شيء منه فليحضرني في مسجدي أو في داري ، فإن لم يعجبه هذا فهو سلطان فيمنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة أني لا أكتم العلم"
(1) أخرجه البخاري في الأدب ، باب ما ينهى من السباب واللعن .
(2) انظر هدي الساري للحافظ ابن حجر ( باختصار وتصرف ) .