من غير الممكن طلب شي ء منهم دون أن تكون هناك هدية في اليد، لذا عندهم مثل يقول"عاد هذا من عند القاضي كما ذهب"بمعنى إن ذهب المرء إلى هناك خالي اليدين، فإنه يعود دون أن يحصل على أي قسط من العدل منه. الفقراء والبائسون لا يقفون بين يدي رجل عظيم أو من يطلبون منه معروفا، غير أنهم يقدمون له في الآن نفسه هدية لا ترفض أبدا حتى من قبل أعظم أسياد المملكة، مثل الفاكهة والثمار والحملان وما شابه. كل يقدم ما يملك منه كمية وافرة وما تجود به المهنة التي يعمل بها، أما من كانوا بلا مهنة معينة فيساهمون بالنقود. قبول مثل هذه الهدايا يعتبر شرفا، لذا يقدمونها على الملأ، وعادة كلما كان الجمع أكبر. هذا هو العرف المتبع في الشرق كله، وربما يكون الأقدم في العالم.
ولما كان هذا يبدو من الدناءة وعدم الاستقامة بالنسبة للأوروبيين، لن أضيف أنه ربما أكثر الأمور عقلانية ولن آخذ نفسي بالدفاع عنه.
سأكتفي بالقول إن الفرس يؤدون الخدمة دوما وفق الهدية التي يتلقونها، وأنهم ينجزونها في التو أو في أول فرصة سانحة. كما أنهم يقدمون الهدايا إلى من يعاضدهم والمحسنين إليهم في الأعياد والمناسبات الدينية الأخرى الشبيهة دون طلب أي خدمة في المقابل.
لا يحب الفرس لا السير خارج البيت ولا السفر. وينظرون إلى عادتنا في السير خارج البيت على أنها منافية للعقل، أما السير في الأزقة وممرات الحدائق فأمر يليق بالمجانين. يتساءلون بقلق لم يذهب المرء إلى أقصى الحديقة في ممر دون أن يقف، إذا كان له ما يقوم به هناك. لعل هذا ولا ريب يعود إلى أنهم يعيشون في طقس أقسى من طقس بلادنا.
هم ليسوا متوردي الوجنات مثلما نحن في بلاد الشمال، وليسوا حمر البشرة أيضا. وحيث أنهم يفرزون عرقا أكثر منا، يفسر هذا عدم تحريكهم لأجسامهم كثيرا، ما يبدو خفة وقلقا غالبا ما يفضي إلى الإسراف وحتى الجنون. لا يعرفون في فارس العلاج الذي ندعوه التمرين الرياضي، إذ أنهم يفضلون الجلوس أو الاستلقاء على السير. النساء والخصية لا يمارسون عموما أي تمارين ويفضلن الجلوس أو الاستلقاء