واعلم , رحمك الله , أنه بلغني أنك تفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا , وببلدنا الذي نحن به , وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك , وحاجة من قبلك إليك , واعتمادهم على ما جاءهم (1) منك , حقيق بأن تخاف على نفسك , وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه , فإن الله، عز وجل، يقول في كتابه: {والسابقون الأولون من المُهَاجِرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحَسَّان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خَالِدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم} (2) .
قال تعالى: {الذين يستمعَوْن القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين [167/أ] هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب} (3) فإنما الناس تبع لأهل المدينة , إليها كانت الهجرة , وبها نزل القرآن , وأحل الحلال , وحرم الحرام؛ إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم , يحضرون الوحي والتنزيل , ويأمرهم فيتبعَوْنه , ويسن لهم فيتبعَوْنه , حَتَّى توفاه الله , واختار له ما عنده صلى الله عليه وسلم , ثم قام من بعده أتبع الناس له من أمته , ممن ولي الأمر من بعده , فما نزل بهم , مما علموا أنفذوه , وما لم يكن عندهم علم فيه سألوا عنه , ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم , وحداثة عهدهم , فإن خالفهم مخالف , أو قال امرؤ: غيره أقوى منه وأولى , ترك قوله , وعمل بغيره , ثم كان التابعَوْن من بعدهم يسلكون تلك السبيل , ويتبعون تلك السنن , فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرًا معمولًا به لم أر خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها , ولا ادعاؤها , ولو ذهب أهل الأمصار يقولون: هذا العمل ببلدنا , وهذا الذي مضى عليه من مضى منا لم يكونوا من ذلك على ثقة , ولم يجز لهم من ذلك مثل الذي جاز لهم , فانظر رحمك الله فيما كتبت إليك فيه لنفسك , واعلم أني لأرجو ألا يكون دعائي إلى ما كتبت إليك إلا النصيحة لله , والنظر إليك , والضن بك , فأنزل كتابي منك منزلة , فإنك إن تفعل تعلم أني لم آلك نصحًا.
وفقنا الله وإياك بطاعته وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أمر , وعلى كل حال. والسَّلام عليكم ورحمة الله.
_حاشية
(1) في طبعة الدكتور نور سيف:"جاء".
(2) التوبة: 100.
(3) الزمر: 18.