فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 779

وأما من أقر أن اللّه تعالى تكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل وغيرها حقيقة، وأن موسى سمع كلامه منه إليه بلا واسطة، وأنه يكلم عباده يوم القيامة، ويكلم ملائكته، فإنه لا يتصور على أصله دخول المجاز في كلامه، ولو كان ثابتا ولا سيما على أصول من يجعل كلام اللّه معنى واحدا لا تعدد فيه، وهذه العبارات دالة على ذلك المعنى؛ فليس بعضها أسبق من بعض تلك المفهومات له بالوضع الأول وبعضها بالوضع الثاني، وكذلك من يجعل الألفاظ الدالة على المعاني قديمة لا يسبق بعضها بعضا؛ فكيف يعقل عند هؤلاء وضع أول يكون حقيقة، ووضع ثان يكون مجازا؟ وسنذكر إن شاء اللّه تعالى فساد دعواهم في الألفاظ والقرآن أنها مجاز لو كان مجاز حقا.

فإن قيل: الرب سبحانه خاطبهم بما ألفوه من لغاتهم واعتادوا من التفاهم منها، فلما كان من خطابهم فيما بينهم الحقيقة والمجاز، جاء اللّه لهم بذلك ليحصل لهم الفهم والبيان قيل: خطاب اللّه تعالى سابق على مخاطبة بعضهم بعضا. فهل كان في كلامه سبحانه ألفاظ وضعت لمعان ثم نقلها سبحانه عنها إلى معان آخر؟ فهل يتصور هذا القدر في كلامه؛ وإن كان ذلك في مخاطبة بعضهم بعضا؟ يوضحه:

الوجه الخامس والثلاثون: وهو أن اللّه هو الذي علمهم البيان بألفاظهم عما في أنفسهم فعلمهم المعانى وصورها في نفوسهم، وعلمهم التعبير عنها بتلك الألفاظ كما قال تعالى: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ فهو سبحانه علم الإنسان أن يبين عما في نفسه وأقدره على ذلك وجعل بيانه تابعا لتصوره واحتياجه إلى التعبير عما في نفسه، وذلك من لوازم نشأته وتمام مصلحته، والمعانى التي يدعى أن اللفظ حقيقة فيها أو يكون معها، وحاجتهم إلى التعبير عن الجميع سواء فكيف يدعى أن اللفظ وضع لبعضها دون بعض مع شدة الحاجة إلى التعبير عن الجميع؟ هذا مما يأباه العقل والعادة، ولا سيما على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت