أن معانيها تنقسم إلى محمود ومذموم، فالمذموم منها يرجع إلى الظلم والكذب، فما يذم منها إنما يذم لكونه متضمنا للكذب أو الظلم أو لهما جميعا، وهذا هو الذي ذمه اللّه تعالى لأهله كما في قوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ (البقرة: 9) فإن ذكر هذا عقيب قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (البقرة: 8) فكان هذا القول منهم كذبا وظلما في حق التوحيد والإيمان بالرسول واتباعه، وكذلك قوله:
أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ (النمل: 45) الآية.
وقوله: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ (فاطر: 43) وقوله: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ (النمل: 50، 51) فلما كان غالب استعمال هذه الألفاظ في المعانى المذمومة ظن المعطلون أن ذلك هو حقيقتها، فإذا أطلقت لغير الذم كان مجازا، والحق خلاف هذا الظن، وأنها منقسمة إلى محمود ومذموم، فما كان منها متضمنا للكذب والظلم فهو مذموم؛ وما كان منها بحق وعدل ومجازاة على القبيح فهو حسن محمود، فإن المخادع إذا خادع بباطل وظلم، حسن من المجازى له أن يخدعه بحق وعدل، وذلك إذا مكر واستهزأ ظالما متعديا كان المكر به والاستهزاء عدلا حسنا كما فعله الصحابة بكعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق وأبي رافع وغيرهم «1» مما كان يعادى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فخادعوه حتى كفوا شره وأذاه بالقتل وكان هذا الخداع والمكر نصرة للّه ورسوله.
وكذلك ما خدع به نعيم بن مسعود المشركين عام الخندق حتى انصرفوا «2» ، وكذلك خداع الحجاج بن علاط لامرأته وأهل مكة حتى أخذ ماله «3» ، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم «الحرب خدعه» «4» وجزاء المسي ء بمثل إساءته في جميع الملل، مستحسن في جميع العقول.
(1) أخرجه البخارى (3030) ومسلم (1739) وغيرهما.
(2) أنظر خبرهم في «مختصر زاد المعاد» للشيخ محمد عبد الوهاب بتحقيقنا طبعة نزار الباز بمكة المكرمة.
(3) أنظر خبرهم في «مختصر زاد المعاد» للشيخ محمد عبد الوهاب بتحقيقنا طبعة نزار الباز بمكة المكرمة.
(4) أنظر خبرهم في «مختصر زاد المعاد» للشيخ محمد عبد الوهاب بتحقيقنا طبعة نزار الباز بمكة المكرمة.