فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 779

تكون على ذنب بل هي جارية مجرى توله الآلام عما يأكله ويشربه ويتمتع به، فتولدت تلك الذنوب بعد البلوغ عن تلك الأسباب المتقدمة قبله، وهذا القول الوسط في العقوبة على العدم، وهو الذي دل عليه القرآن، قال اللّه تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (الأنعام: 110) فأخبر سبحانه عن عقوبتهم على عدم الإيمان بتقليب أفئدتهم وأبصارهم.

فإن قلت: هذه عقوبة على أمر وجودى وهو تركهم الإيمان بعد إرسال الرسول ودعائه لهم، قلت: الموجب لهذه العقوبة الخاصة هو عدم الإيمان، ولكن إرسال الرسول وترك طاعته شرط في وقوع العذاب، فالمقتضى قائم هو عدم الإيمان لكنه مشروط وقوعه بشرط وهو إرسال الرسول، ففرق بين انتفاء الشي ء لانتفاء موجبه ومقتضيه، وانتفائه لانتفاء شرطه بعد قيام المقتضى.

وكذلك قوله في الحديث الذي رواه أبو داود، والحاكم في «مستدركه» من حديث ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم: «إن اللّه لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم» «1» . وهو ما يحتج به الجبرية، وأسعد الناس به أهل السنة الذين قابلوه بالتصديق وتلقوه بالقبول، وعلموا من عظمة اللّه وجلاله وقدر نعمه على خلقه عدم قيام الخلق بحقوق نعمه عليهم، إما عجزا وإما جهلا وإما تفريطا وإما إضاعة وإما تقصيرا في المقدور من الشكر ولو من بعض الوجوه، فإن حقه على أهل السماوات والأرض أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا

(1) رواه الإمام أحمد (5/ 182، 185، 189) ، وأبو داود (4699) ، وابن ماجه (77) ، وصححه الألباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت