أكثر وقوعا- أعنى التصديق/ الشعرى الذي يحرك النفس إلى الطلب أو الهرب. وأما الأشياء الغير موجودة"1"فليس توضع وتخترع لها أسماء في صناعة المديح إلا أقل ذلك- مثل وضعهم الجود شخصا ثم يضعون أفعالا له ويحاكونها ويطنبون في مدحه. وهذا النحو من التخييل وإن كان قد ينتفع به منفعة غير يسيرة لمناسبة أفعال ذلك الشىء"2"المخترع وانفعالاته للأمور الموجودة فليس ينبغى أن يعتمد"3"فى صناعة المديح، فإن هذا النحو من التخييل ليس مما يوافق جميع الطباع، بل قد يضحك منه ويزدريه كثير من الناس. ومن جيد ما في هذا الباب للعرب وإن لم يكن على طريق الحث على الفضيلة قول الأعشى:
لعمرى لقد لاحت عيون نواظر…إلى ضوء نار باليفاع تحرّق
تشبّ لمقرورين يصطليانها…وبات على النار النّدى"4"والمحلّق
وضيعى لبان ثدى أمّ تحالفا…بأسحم داج عوض لا تتفرق [3]
وإذا كان هذا هكذا فطاهر أن الشاعر إنما يكون شاعرا بعمل الخرافات والأوزان بقدر ما يكون قادرا على عمل التشبيه والمحاكاة. وهو إنما يعمل التشبيه للأمور الإرادية الموجودة. وليس من شرطه أن تحاكى الأمور التي هى موجودة فقط، بل وقد يحاكى الأمور التي يظن بها أنها ممكنة الوجود"5"
(3) الأبيات للأعشى ميمون بن قيس، في ديوانه 223- 225، والعمدة 1/ 49، والبيت الثالث في ذيل الأمالى للقالى 211.