الصفحة 20 من 267

ثم جاء عصر المأمون- فارتفع شأن المعتزلة، فالمأمون قد تتلمذ على بعض كبرائهم كيحيى بن المبارك- وكان لثمامة بن أشرس مكانة عظيمة لديه «1» فتشرّب آراءهم وشب على مبادئهم، ويقال أنّ ثمامة هو الذى دعاه إلى الاعتزال «2» وكان المأمون متعطشا إلى العلم والفلسفة مشغوفا بالآداب محبا للجدل. ووجد في المعتزلة بغيته، ومن ثمّ طغى المعتزلة وظهر جبروتهم، وفى عهده حدثت محنة خلق القرآن، وعلى يد القاضى المعتزلى أحمد بن أبى دؤاد الإيادى «3» .

وفى عهد المعتصم استمرت المحنة، واستمر هو في تقريب المعتزلة عملا بوصية أخيه وأصبح لأبى دؤاد الكلمة العليا والسلطة النافذة في الدّولة «4» ولما قضى المعتصم وخلفه الواثق، كان الواثق شديد الاعتزال فقام بالمحنة أشدّ قيام «5» ، وكأن عصور ازدهار المعتزلة قد انقضت أو كادت- حين مات الواثق وجاء المتوكل- فلم يجدوا فيه مأمونا ولا معتصما ولا واثقا، بل كان سنّيا شافعيّا «6» .

هذا هو جانب المعتزلة المتصل بالسياسة، وأعتقد أنه أهم الجوانب المؤثّرة في حياتهم، إذ حين ترضى عنهم الخلافة تزدهر حياتهم، وحين ينأى عنهم الخليفة تخفت قضاياهم.

وهناك جانب عقيدتهم ويحسن أن نعرضها أولا ثم نستعرض تطورها على ضوء الأحداث الفكرية الإسلامية.

وعقيدتهم يجملها «الخياط» ، أحد زعماء الاعتزال في القرن الثالث الهجرى بقوله «و ليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة:

(1) ابن قيم الجوزية- الصواعق المرسلة- 1/ 131.

(2) البغدادى- الفرق بين الفرق- 103.

(3) انظر في أخبار المحنة- الطبرى- تاريخ الأمم- 10/ 384 الى 292، واليعقوبى 2/ 571، البيهقى- مناقب أحمد 315 و401، والذهبى- دول الإسلام 1/ 102 ط حيدرآباد 1364 ه الثانية.

(4) ابن خلكان- وفيات الأعيان- 1/ 32 ط القاهرة 148 م تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد.

(5) ابن العماد الحنبلى- شذرات الذهب- 2/ 75 و26 القاهرة 1350 ه.

(6) ابن الأثير- الكامل- 7/ 8 ط الأزهرية. القاهرة 1301.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت