الصفحة 159 من 267

النفسية وراء لفظة «يصنعون» «1» وكذا إشارته إلى لفظ وجه في الآية (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) «2» [يوسف- 9] .

التحليل الجمالى للنظم:

والزمخشرى يحلل جماليا المعانى النفسية الكامنة وراء نظم الكلام، ففي الآية «إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ» [الحجرات- 3] يقول: وهذه الآية بنظمها الذى رتبت عليه من إيقاع الغاضين أصواتهم اسما لأنّ المؤكّدة، وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين معا، والمبتدأ اسم الاشارة، واستئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم، وإيراد الجزاء نكرة مبهما أمره، ناظرة «3» في الدلالة على غاية الاعتداد والارتضاء لما فعل الذين وقروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من خفض أصواتهم وفى الإعلام بمبلغ عزّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، وقدر شرف منزلته، وفيها تعريض بعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم، واستيجابهم ضد ما استوجب هؤلاء.

ويتابع الزمخشرى قوله في الآى بعد ما سبق (إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) .. فورود الآية على النمط الذى وردت عليه، فيه ما لا يخفى على الناظر من بينات إكبار محل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وإجلاله، منها مجيئها على النظم المسجل على الصائحين بالسّفه والجهل لما أقدموا عليه، ومنها لفظ الحجرات وإيقاعها كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه، ومنها المرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذى تبين به ما استنكره عليهم. ومنها التعريف باللام دون الإضافة، ومنها أن شفع ذمّهم باستجفائهم واستركاك عقولهم، وقلة ضبطهم لمواقع التمييز في المخاطبات، تهوينا للخطب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، وتسلية له، وإماطة لما تداخله من إيحاش تعجرفهم وسوء أدبهم.

ثم هو يستعيننا أن نتذوق معه حلاوة الآى فيكر مرة أخرى عليها من أول

(1) نفس المصدر- 1/ 266.

(2) نفس المصدر- 1/ 263.

(3) أى الآية بنظمها هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت