الجاهلى، فأريد حسم أطماعهم، وأطماع الناس فيهم أن ينفعوا آباءهم في الآخرة، وأن يشفعوا لهم، وأن يغنوا عنهم من اللّه شيئا، فكذلك جىء به على الطريق الآكد في لفظ (المولود) أن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذى ولد منه، لم تقبل شفاعته، فضلا أن يشفع لمن فوقه من أجداده، لأن «الولد» يقع على الولد وولد الولد، بخلاف المولود فانه لمن ولد منك «1» .
وفى تقديم الخبر على المبتدأ يشير الزمخشرى إلى ما فيه من مزية وعرضها في آية (وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ) [الحشر- 2] فان قلت: أىّ فرق بين وظنوا أن حصونهم «تمنعهم» أو «مانعتهم» وبين النظام الذى جاء عليه؟
قلت: في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها، ومنعها إياهم، وفى تصيير ضميرهم اسما لأنّ واسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزّة ومنعة لا يبالى معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في مغازتهم، وليس ذلك في قولك «و ظنوا أن حصونهم تمنعهم» «2» .
وتعرض لاستخدام التثنية وكيف تكون أبلغ وآكد في تقدير المعنى المراد «3» ويستوحى الجمال النفسى المعنوى في التعبير بلفظة التأنيث لبيان الضعف واللين والرخاوة «4» وفى زيادة النسب قوة للفعل المسندة إليه «5» .
وفى التنكير حسن، أشار إليه الزمخشرى في الآية «لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ» [الحاقة- 12] فإن قلت: لم قيل أذن واعية على التوحيد والتنكير؟ قلت: للإيذان بأن الوعاة فيهم قلّة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعى منهم، للدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن اللّه فهى السواد الأعظم عند اللّه، وأن ما سواها لا يبالى باله، وإن ملئوا ما بين الخافقين «6» .
(1) نفس المصدر- 2/ 199.
(2) الزمخشرى- الكشاف- 2/ 445.
(3) نفس المصدر- 1/ 267 - آية «بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ، يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ» [المائدة، 64] .
(4) انظر آية «أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ» [الزمر- 38] نفس المصدر 2/ 300.
(5) انظر آية «فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي» [المؤمنون- 110] نفس المصدر 2/ 80.
(6) نفس المصدر 2/ 485.