وَصَبْرِهِ عَلَى الْأَذَى نَفْسًا وَمَالًا وَتَجَاوُزِهِ عَنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ وَحُسْنِ تَدْبِيرِهِ لَهُمْ مَعَ أَنَّهُمْ كَالْوَحْشِ الشَّارِدِ وَالطَّبْعِ الْمُتَنَافِرِ وَالْمُتَبَاعِدِ وَالْحُمُرِ الْمُسْتَنْفِرَةِ الَّتِي فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ فَمَعَ ذَلِكَ سَاسَهُمْ وَاحْتَمَلَ جَفَاهُمْ وَصَبَرَ عَلَى أَذَاهُمْ إِلَى أَنِ انْقَادُوا إِلَيْهِ وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَقَاتَلُوا دُونَهُ أَهْلِيهِمْ وَآبَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَاخْتَارُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ فَظَهَرَ صِدْقُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وَفِي قَوْلِهِ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ الْآيَةَ.
(حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ) بِسُكُونِ الْمِيمِ (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ شَيْئًا) أَيْ: آدَمِيًّا؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُبَّمَا ضَرَبَ مَرْكُوبَهُ، وَقَدْ ضَرَبَ بَعِيرَ جَابِرٍ كَمَا فِي الصَّحِيحِ (قَطُّ) أَيْ: فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ الْمَاضِيَةِ (إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ) وَفِي رِوَايَةٍ إِلَّا أَنْ يَضْرِبَ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) حَتَّى إِنَّهُ قَتَلَ اللَّعِينَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ بِأُحُدٍ، وَقِيلَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْجِهَادَ مَعَ الْكُفَّارِ بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ الْحُدُودُ وَالتَّعَازِيرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ (وَلَا ضَرَبَ خَادِمًا وَلَا امْرَأَةً) هَذَا مُنْدَرِجٌ تَحْتَ نَفْيِ الْعَامِّ لَكِنْ خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِمَا أَوْ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ ضَرْبِ هَذَيْنِ فِي الْعَادَةِ، وَالِاحْتِيَاجِ إِلَى ضَرْبِهِمَا تَأْدِيبًا، فَضَرْبُهُمَا وَإِنْ جَازَ بِشَرْطِهِ فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ قَالُوا بِخِلَافِ الْوَلَدِ فَالْأَوْلَى تَأْدِيبُهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ ضَرْبَهُ لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلَيْهِ فَلَمْ يُنْدَبِ الْعَفْوُ بِخِلَافِ ضَرْبِهِمَا فَإِنَّهُ لِحَظِّ النَّفْسِ، فَنُدِبَ الْعَفْوُ عَنْهُمَا مُخَالَفَةً لِهَوَى النَّفْسِ وَكَظْمًا لِغَيْظِهَا.
(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ) أَيْ: مَا عَلِمْتُ فَإِنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ مَا أَبْصَرْتُ (رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْتَصِرًا) أَيْ: مُنْتَقِمًا (مِنْ مَظْلِمَةٍ) وَهِيَ بِكَسْرِ اللَّامِ اسْمٌ لِمَا تَطْلُبُهُ عَنِ الظَّالِمِ، وَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْكَ وَبِفَتْحِ اللَّامِ مَصْدَرُ ظَلَمَهُ يَظْلِمُهُ ظُلْمًا وَمَظْلَمَةً، وَقِيلَ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ الظُّلْمُ، وَهُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَالْمُعْتَمَدُ هُوَ الْأَوَّلُأَيْ: مِنْ أَجْلِ مَا أُخِذَ وَنِيلَ مِنْ مَعْصُومٍ عُدْوَانًا، سَوَاءٌ