وَالْآخِرَةِ وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْجُزْءِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ (فَضْلِهِمْ) فِي الدِّينِ احْتِرَازًا عَنْ فَضْلِهِمْ فِي أَحْسَابِهِمْ وَأَنْسَابِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ كَمَا أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ كَمَا وَرَدَ (خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا) (فَمِنْهُمْ) الْفَاءُ لِتَفْصِيلِ مَا أَجْمَلَهُ أَوَّلًا أَيْ: فَبَعْضُ أَهْلِ الْفَضْلِ أَوِ الْأَصْحَابِ وَالنَّاسِ (ذُو الْحَاجَةِ) أَيِ: الْوَاحِدَةِ (وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ وَمِنْهُمْ ذُو الْحَوَائِجِ) وَالْحَاجَاتُ أَعَمُّ مِنَ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ (فَيَتَشَاغَلُ بِهِمْ) أَيْ: يَجْعَلُ نَفْسَهُ مَشْغُولَةً بِذِي الْحَاجَةِ وَمَنْ بَعْدَهُ أَوْ فَيُشْغَلُ بِهِمْ وَيُشْغَلُونَ بِهِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ (بِهِمْ) وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادِرُ هُوَ الثَّانِي لِلتَّفَاعُلِ (وَيُشْغِلُهُمْ) مِنِ الْإِشْغَالِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْغَيْنِ مِنَ الشَّغْلِ أَيْ: يَجْعَلُهُمْ مَشْغُولِينَ (فِيمَا يُصْلِحُهُمْ) قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَيُشْغِلُهُمْ مِنَ الْإِشْغَالِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي التَّاجِ: الْإِشْغَالُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ فِي الشَّغْلِ انْتَهَى. وَقَالَ مِيرَكُ: فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ الْمَسْمُوعَةِ الْمُصَحَّحَةِ بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِشْغَالِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قَدْ شَغَلَتْ فُلَانًا شَاغِلٌ وَلَا تَقُلْ أَشْغَلَتْ؛ لِأَنَّهَا لُغَةٌ رَدِيئَةٌ انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْرَأَ هَذِهِ الْكَلِمَةُ بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنَ الْمُجَرَّدِ وَإِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ بِالضَّمِّ فَلَا يَنْبَغِي إِطْلَاقُ الرَّدَاءَةِ عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: أَشْغَلَهُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ أَوْ قَلِيلَةٌ أَوْ رَدِيئَةٌ، قُلْتُ: لَوْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ لَكَفَرَ مَنْ قَالَ بِالرَّدِيئَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْعَلُ الدَّاخِلِينَ عَلَيْهِ مَشْغُولِينَ بِمَا يُصْلِحُهُمْ وَفِي نُسْخَةٍ: أَصْلَحَهُمْ وَفِي أُخْرَى بِمَا يُصْلِحُهُمْ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ أَيْ: يَشْغَلُهُمْ بِالْأَمْرِ الَّذِي يُصْلِحُهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ ثُمَّ قَوْلُهُ (وَالْأُمَّةَ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي يُصْلِحُهُمْ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ سَوَاءٌ كَانَتِ الْأُمَّةُ أُمَّةَ الدَّعْوَةِ وَالْإِجَابَةِ أَوْ أَعَمَّ مِنْهُمَا (مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ عَنْهُ) قَالَ الْحَنَفِيُّ: مِنْ بَيَانٌ لِمَا فِي قَوْلِهِ مَا يُصْلِحُهُمْ يَعْنِي أَنَّ مَا يُصْلِحُهُمْ وَالْأُمَّةَ هُوَ مَسْأَلَتُهُمْ عَنْهُ وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْهُمْ بَدَلَ عَنْهُ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ الْأَصْوَبَ أَنَّ"مِنْ"تَعْلِيلِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى مِنْ أَجْلِ سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ عَنْهُ أَيْ: عَنْ مَا يُصْلِحُهُمْ وَفِي نُسْخَةٍ عَنْهُمْ أَيْ: عَنْ أَحْوَالِهِمُ انْتَهَى، وَوَقَعَ فِي كِتَابِ (الْوَفَاءِ) لِابْنِ الْجَوْزِيِّ فَيَشْغَلُهُمْ فِيمَا أَصْلَحَهُمْ مِنْ مَسْأَلَتِهِ عَنْهُمْ وَإِخْبَارِهِمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمُ انْتَهَى (وَإِخْبَارِهِمْ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مَجْرُورًا عَلَى مَا فِي الْأُصُولِ عَطْفٌ عَلَى مَسْأَلَتِهِمْ، وَالْإِضَافَةُ إِمَّا إِلَى الْفَاعِلِ أَيْ: إِخْبَارِهِمْ إِيَّاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ) فَحِينَئِذٍ هَذَا مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ التَّفْسِيرِ، أَوِ الْمَعْنَى: إِخْبَارُهُمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ أَيْ: لِمَنْ هُوَ لَيْسَ بِحَاضِرٍ بَلْ هُوَ غَائِبٌ فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ (وَيَقُولُ) أَيْ: بَعْدَ الْإِفَادَةِ لَهُمْ (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ) كَالْمُبَيِّنِ لَهُ أَوْ إِلَى الْمَفْعُولِ يَعْنِي إِخْبَارَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهُمْ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى مَسْأَلَتِهِمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ فَيَكُونُ هَذَا إِشَارَةً إِلَى جَوَابِ مَسْأَلَتِهِمْ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَفَيْدُ، كَذَا أَفَادَهُ الْحَنَفِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَإِخْبَارُهُمْ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ وَفَاعِلُهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ: وَمِنْ أَجْلِ إِخْبَارِهِ إِيَّاهُمْ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى مَسْأَلَتِهِمْ وَزَعْمُ عَطْفِهِ عَلَى مَا يُصْلِحُهُمْ تَكَلُّفٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ وَفِي نُسْخَةٍ بِإِخْبَارِهِمْ عَطْفٌ عَلَى بِهِمْ وَهُوَ ظَاهِرٌ